كتاب الراية

بيني وبينك.. كيفَ أكتب؟ (3-3)

لم أصنع شخصياتي من الفراغ أو العدم أو الوهم ولم أُنبِتهم على هيئاتهم من الواقع البَحْت

لم أكتبْ أيّ مشهدٍ في أيّة رواية من رواياتي قبل أنْ أتخيّله، هذا ما يحدث، إنّني أجلسُ على الكرسيّ لدقائق أعيشُ فيها المشهد، أغوصُ في تفاصيله، أرى الشّخوص الموجودين فيه، وأنتبه إلى لون الجدران، وإلى شكل النّوافذ، ودرجة التّعرّجات في ثوبِ إحداهنّ، وأميّز في كلّ شبرٍ من المكان بين الرّوائح، وأسمعُ كلّ همسةٍ تدور في أنحائه، ولو أنّ شخصيّةً صفعتْ في هذا المشهد شخصيّةً أخرى ولم أشعر أنا بألم الصّفعة فإنّني لن أكتبه، وأتركه مُدّة ثُمّ أعودُ إليه مرّة أخرى مُحاوِلًا الشّعور بألم الصّفعة أو هُويّ السّوط على جسدي، فإذا تَمّ الشّعور تَمّت الكتابة.

تُرافقني القهوة كثيرًا في الكتابة، أشربُ في اليوم أكثر من خمسةَ عشر فنجانًا، لكنّ ارتباط القهوة عندي بالكتابة ارتِباطٌ شَرْطيّ، ولا علاقةَ له بالإبداع، غير أنّني بالفِعل لا أكتبُ دون أنْ تُرافقني فناجين القهوة المُرّة، لا أحدَ يدري ما هو سِرّ العلاقة بين الكتابة والقهوة؟ ربّما ليسَ هناك أيّ سرّ، فالأمر لا يعدو كونه وهمًا!

كلّ فكرةٍ طائرٌ مُهاجِر، يمرّ بكَ في لحظةٍ خاطفةٍ عابرةٍ يومًا واحِدًا في العام، وقد لا تراه ثانيةً أبدًا، إذا لم يكنْ لديّ ما أصيدُ به هذا الطّائر فسيضيع دون أنْ يأسفَ لحالكَ أحدٌ، تعدّدت عندي أوعية الصّيد، فقد تكون أوراقًا أحملها في مِحفظتي أُدوّن فوقهَا تلك الأفكار، أو دفترًا صغيرًا ذا قلمٍ مُخبّأٍ فيه للحظات الوَمض، كان هذا فيما سبق، بعدَ أنْ تقدّمت التّكنولوجيا صرتُ أسجّل تلك الأفكار في خانة المُلاحَظات الّتي تتوافر في كلّ جهازٍ محمول، أخيرًا اهتديتُ إلى أنْ أُنشِئ مجموعةً على الواتساب تتكوّن منّي فقط، أسجّل فيها كتابةً أو صوتًا تلك الطّرائد الهارِبة. أغلبُ أعمالي الضّخمة الّتي يتجاوز عدد صفحاتها الـ (500) صفحة هي نتيجةُ ذلك الصّيد الثّمين، ولولا أنّني كنتُ أُقاوم الكسل في تقييده ورغبة الرّاحة في الإعراض عنه، والسّؤال العبثيّ عن جدوى الظّفر به، لكان قد ضاع منّي أغلبُ هذه الإنتاجات من الأساس!

ليسَ لديّ فضلٌ لفكرةٍ على أخرى، ولا لروايةٍ دون سِواها، ربّما أُعطي بعضَ الأفكار بعضَ الأولويّة في البدء أو في الاستمرار، ولكنْ حدثَ أنّني كنتُ أكتبُ خمسةَ أعمالٍ في وقتٍ واحدٍ منها أربع روايات، هل أنا «أُقسّم جِسمي في جُسومٍ كثيرة»؟ ربّما. هل أنا مُتعدّد الشّخصيّات والأهواء والأمزجة؟ ربّما.

منذُ أن وعيتُ وأنا أكتبُ يوميّاتي، تَشكَلَّ من يوميّاتي عبر أربعين عامًا حوالي أربعين جزءًا، كلّ جزءٍ يزيد على (300) صفحة، هذا لا علاقة له بكتابتي للدّراسات والنّقد والأبحاث والأعمال الرّوائيّة، إنّه تمرينٌ يوميّ على الكتابة، أنا مَدينٌ لهذا النّوع من الالتِزام بكلّ ما أنتجتُ على صعيدَي الشِّعر والرّواية. كنتُ أنصحُ الّذين يأتون من الكُتّاب الصّاعِدين نصيحتَين غَلَبتا على كثيرٍ من نصائحي الأخرى، الأولى: اقرأْ حتّى يشيب الغُراب، والثّانية: اكتبْ يوميّاتك.

لم أصنع شخصيّاتي من الفراغ أو العدم أو الوهم، ولم أُنبِتهم على هيئاتهم الّتي ظهروا عليها فوق الصّفحات من الواقع البَحْت. أوقنُ أنّ الشّخصيّة مهما كانتْ واقعيّة أو تاريخيّة فإنّها مُحتاجةٌ إلى الخيال، وأنّها مهما كانتْ خياليّة أو فانتازيّة فإنّها محتاجةٌ إلى الواقع، الخيال يشطح بالشّخصية إذا جاوز الحدّ، والواقع يُسطِّح تلك الشّخصيّة، كنتُ أحتال على النّوعَين من خلال خلطةٍ خاصّة بي، أصعدُ بالشّخصيّة الواقعيّة إلى الخيال، وأهبطُ بالشّخصيّة الخيالية إلى الواقع، وفي مُنتصف المسافة بين الصّعود والهُبوط أزاوجُ بينهما.

في النّهاية، هذه تجربةٌ مَعيشة، لا يُمكن أنْ تكونَ منقولة، وتجاربنا نحن الكُتّاب تختلفُ حدّ التّباين، بل إنّني لو أردتُ أنْ أكتبَها بعدَ عشر سنواتٍ فلربّما ناقضتُ نفسي في غير موضع منها. إنّها شهادةٌ عابرةٌ على أيّة حال، لا أدري كم اقتربتُ أو ابتعدتُ في توصيف هذه التّجربة، ولا أدري ما هو الجانب الّذي يُمكن لمن يقرأ هذه الشّهادة أو يسمعها أن يستفيدَ منه؟! المهمّ أنّني قلتُ ما أردتُ، بطريقةٍ عفويةٍ بسيطةٍ، وذلك يكفي.

 

الأردنّ

[email protected]

[email protected]

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X