كتاب الراية

خواطر مسافرة.. قطر تتكلم بكل لغات العالم

الغرب لم يحتمل فوز قطر العربية بتنظيم المونديال.. ولم يحتمل نجاحها التاريخي في هذا التنظيم

الإنسان العربي ينتمي إلى حضارةٍ عريقةٍ وثريةٍ بالأدوار التي خدمت الإنسانية وأنارت لها مشاعل العلم والنهوض من عثراتها وظلامية نواميسها وضيق دروبها، رغم كل العثرات والانكسارات التي مرت بها هذه الأمة في مُختلف مراحل تاريخها وحتى اليوم، ذلك أن هذه الأمة لا تزال تتكلم بكل لغات العالم، ولديها من المخزون الأخلاقي والثقافي والتراث العريق ما يجعلها قادرةً على الانفتاح مع الحضارات والثقافات الأخرى في مشارق الأرض ومغاربها، وليس كما يُروجه الغرب الاستعماري بأن العرب لا يمتلكون المقدرة على تقديم أنفسهم، كما «يدّعون» بأن أمتنا العربية تنتمي إلى إرث من الجهل والصراعات تحول دون مقدرتهم على الاندماج مع الحضارات الأخرى في الغرب والشرق، وهم بذلك يتعمدون تهميش التاريخ بحقائقه ووقائعه الجلية واستبدلوه بأساطيرهم وخرافاتهم وأكاذيبهم وأهواء مُستشرقيهم، وهم يعلمون يقينًا بأن الأمة العربية نقلت إليهم الأبجدية الأولى ومتواليات العلم والمعرفة لكي يستمدوا منها طرائق الانعتاق من عصورهم المُظلمة، والانتقال من همجية البشر إلى رحاب التحضر الإنساني ولنا في ذلك ما لا يمكن إحصاؤه من الوقائع والأمثلة والمحطات التي يعج بها تاريخهم وتؤكد عصور تخلفهم وهمجيتهم وبشاعة أفعالهم بحق الإنسانية مرورًا بأزمنة العبودية والإبادة العنصرية واستعمار الشعوب ونهب ثروات الأمم الأخرى ومُقدراتها وسلبها حقوقها العادلة في الحياة والكرامة والاستقلال.

وحتى اليوم لا يزال الغرب يُمارس عنصريته وغطرسته وعنجهيته في التعاطي مع الحضارات والثقافات والمُعتقدات التي تُخالف نواميسه أو تختلف مع توجهاته، بدليل أنه من فرط طغيانه لم يوفر ما يُبرر له ادعاءاته بالدفاع عن الحقوق والحريات والمُعتقدات الإنسانية أو يمنحه الحق الذي يجعل من نفسه وصيًا على أمم لم يكن يومًا يعترف لها بحقوق ولا حرية ناهيك عن حقها في الحياة، حين كان يُمارس بحق البشرية كل أشكال العبودية والعسف والإبادة العرقية، ثم لا يكترث بما فعله، وبالتالي على هذا الغرب المُتوحش أن يتوقفَ عن إعطاء الآخرين دروسًا، ولا يمنح دروسًا في القيم والأخلاق لم يتعلم منها ويُمارس نقيضها ولا يتقاطع مع واحدة منها في عصوره الظلامية، ولم تتخلَ دول الغرب الاستعمارية عن تلك المنهجية البشعة في قمع حركات التحرر الوطني في كل بقاع الأرض وحين فشلت في فرض ثقافتها ومُعتقداتها على الشعوب المُستعمرة الفقيرة والدول التي تعتقد بضعفها لجأت إلى أساليب الضغط تحت عديد مُسميات مثل حقوق الأقليات وحقوق المثليين وحقوق المرأة وحقوق الحيوان وأيضًا حقوق الإنسان والهدف تحقيق مصالحها وإخضاع الشعوب الأخرى لإرادتها وليس الدفاع عن كل الفئات والمُسميات.

وكعادته حاول الغرب الاستعماري النَّيْل من دولة قطر وإضعاف تميزها في استضافة مونديال كأس العالم والتشكيك في نجاحها لجهة تقديم نسخة مونديالية عالمية بهُوية عربية لم يسبق للغرب الأوروبي ولا الغرب الغربي ولا أي غرب أن يُقدم نسخةً موندياليةً مُماثلةً من قبل ولا أعتقد أنه يستطيع التفوق على دولة قطر في مونديالات مُستقبلية أيًا كان من يستضيفها، واتهم الغرب قطر بانتهاك حقوق عمال مشاريع المونديال التي نفذتها شركاتهم، وباتت قطر أول دولة تستضيف المونديال يُطالبها الغرب بالتنازل عن قوانينها وقيمها وعقيدتها وتقاليد مُجتمعها العربي المُسلم بحجة الانفتاح على ثقافات الأمم الأخرى والمقصود بها هي ثقافتهم وأهواؤهم رغم أنه لا يوجد في قوانين ولوائح الفيفا ما يلزم الدولة المُستضيفة إلغاء قوانينها والتنازل عن عقيدة مُجتمعها وقيمها خلال فعاليات البطولة، ولكن هذا هو الغرب لم يحتمل فوز قطر العربية بتنظيم المونديال، ولم يحتمل نجاحها التاريخي في هذا التنظيم الذي يبهر يوميًا كل سكان الأرض، ومع ذلك نجحت دولة قطر في فرض قوانينها والتحدث بكل لغات العالم في مونديال العالم، وبرهنت انتماءها إلى أمة تحترم حضارات وثقافات الآخرين ما داموا يحترمون مُعتقداتنا وخصوصيات مُجتمعنا وانتماءها إلى أمة لا تقبل أن يعبثَ أحد بسمو مبادئها وعقيدتها وثقافتها وحضارتها التي علّمت العالم الانعتاق من عصور الظلام والتحرر من كل أشكال الخنوع والتبعية العمياء.

 

صحافي وكاتب يمني

[email protected]

@fmukaram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X