اخر الاخبار

رئيس وزراء ماليزيا الجديد.. مسار متعرج وشائك بين الوعود والتحديات

الدوحة  – قنا:

بعد معركة انتخابية مريرة، تمخضت عن برلمان معلق، ولم تسفر عن فوز حاسم لأي من الأحزاب والكتل السياسية الماليزية، اختار ملك ماليزيا عبد الله أحمد شاه، زعيم تحالف الأمل أنور إبراهيم رئيسا للوزراء، على أساس أن التحالف الذي يرأسه هو الفائز بأكبر عدد من مقاعد البرلمان في الانتخابات الأخيرة.
وقد أدى إبراهيم، البالغ من العمر 75 عاما، اليمين الدستورية، يوم الخميس الماضي، كعاشر رئيس للوزراء في ماليزيا، متوجا رحلة سياسية استمرت ثلاثة عقود، دخل خلالها السجن لعشر سنوات، واقترب من المنصب الذي راوغه مرات كثيرة، الأمر الذي وصفه الكثيرون بأطول مدة انتظار للحصول على المنصب، وقد تحول أنور إبراهيم، خلال هذه الفترة، من تابع مخلص للزعيم المخضرم مهاتير محمد إلى قائد للاحتجاجات وسجين مدان وزعيم للمعارضة.
وكانت الانتخابات الأخيرة، وهي الخامسة عشرة التي تقام في ماليزيا منذ الاستقلال، قد أسفرت عن فوز تحالف الأمل باثنين وثمانين مقعدا في البرلمان، ويليه حزب الجبهة الوطنية بثلاثين مقعدا، ثم ائتلاف أحزاب ولاية ساراواك بثلاثة وعشرين مقعدا، علما بأن الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة هي الحصول على مائة واثني عشر مقعدا، أما عدد المقاعد اللازمة للحصول على أغلبية الثلثين فهو 148 مقعدا.
وينظر إلى رئيس الوزراء الجديد دائما على أنه الرجل الذي بمقدوره توحيد جميع الفصائل المتنازعة، لكن الحاجة إلى تكوين شراكات لتأمين الأغلبية لحكومته قد تجعل من الصعب عليه تحقيق تعهداته الانتخابية، التي تشمل: معالجة ارتفاع تكاليف المعيشة، وإجراء إصلاحات رئيسية، واتخاذ موقف متشدد إزاء الفساد.
ويعتزم رئيس الوزراء المكلف تشكيل حكومة وحدة وطنية من الأطراف الثلاثة التي تضم ثمانية أحزاب، بعضها يتبنى سياسات وأجندات متعارضة، وقد أشار إلى عزمه تقليص عدد أعضاء حكومته لوضع حد لما وصفه بالإسراف، علما بأن الحكومة الماليزية السابقة برئاسة إسماعيل صبري يعقوب كانت تتألف من 31 وزيرا و38 نائب وزير.
وينظر إلى تعيين أنور رئيسا للوزراء، بدعم من الخصوم السياسيين، على أنه لحظة فاصلة بشرت بعهد جديد للديمقراطية الماليزية، يتم خلالها التخلص التدريجي من حقبة التكتل السياسي الواحد المهيمن على البقية، لكن الطريق أمام حكومة السيد إبراهيم أنور متعرج وشائك ومليء بالصعاب، وسيكون اختبارها الأول وربما الأسهل يوم التاسع عشر من ديسمبر المقبل، حيث سيجتمع البرلمان المنتخب للتصويت على منح الثقة لحكومته.
وحسب تقارير إعلامية ماليزية، تتعدد أولويات رئيس الوزراء الجديد، وفي مقدمتها ضمان بقائه في المنصب، خاصة أن هذا الأمر لن يكون سهلا في بلد تناوب عليه أربعة رؤساء وزراء خلال السنوات الأربع الماضية، وقالت إن أنور إبراهيم يحتاج للقيام بالعديد من الخطوات في تتابع سريع، بداية من تسمية مجلس الوزراء، الأمر الذي سيكون صعبا، ويتطلب الكثير من المفاوضات لضمان حصول جميع أحزاب التحالف المختلفة على شيء ما يرضيها. وقد أكد أنور أن تعيين أعضاء مجلس الوزراء سيتم في غضون الأيام القليلة المقبلة، مشددا على أن التعين لن يكون شكلا من أشكال المكافأة، لضمان الدعم لحكومة الوحدة الوطنية، وقال إن حكومته لن تساوم على الحكم الرشيد، وستكثف حملة مكافحة الفساد، وتضمن استقلال القضاء ورفاهية المواطنين الماليزيين العاديين.
وتضيف التقارير أنه يتعين على رئيس الوزراء الجديد خلق الثقة بين النخبة الماليزية المكونة من السياسيين ورجال الأعمال، والعمل لكسب القلوب والعقول لدى عامة الشعب، بمن في ذلك أبناء الملايو المحافظين، وبعد التغلب على العقبات السياسية، يتعين عليه العمل لإصلاح الاقتصاد الذي دمره الوباء وتأثيرات الحرب في أوكرانيا.
كما يجب أن يثبت أنور بعد ذلك أن حكومته المشكلة حديثا شاملة وليست فاسدة، حيث كان الفساد أكبر المشاكل للحكومات السابقة، وقد أظهرت الأحزاب الائتلافية الحاكمة السابقة أن الصفقات بين الأحزاب هي عناصر مهمة عند توطيد السلطة في الحياة السياسية الماليزية.
وتوقع محللون في كوالالمبور أن تتم مراقبة المناصب الوزارية الهامة والحساسة في الحكومة المقبلة عن كثب، لمعرفة ما إذا كانت تعكس المساواة في تمثيل جميع فئات المجتمع الماليزي، وقالوا إن من السابق لأوانه التكهن بأداء حكومة أنور، خاصة وأن تشكيل حكومته، من أحزاب متنوعة، قد يعني أن المصالح المتضاربة أمر وارد وربما لا مفر منه. ويضيف هؤلاء أن استقرار الحكومة الجديدة سيبقى معلقا ومفتوحا على الاحتمالات كافة، على الأقل حتى إجراء الانتخابات الداخلية للجبهة الوطنية “أمنو”، المقررة يوم الحادي والعشرين من ديسمبر المقبل.
ويواجه رئيس الجبهة أحمد زاهد حميدي، ضغوطا هائلة، من بعض قادة حزبه للتنحي بعد الأداء السيئ في الانتخابات، كما يواجه اتهامات بالفساد قد تقوده إلى السجن، ويعتقد المحللون أن أي تغيير في قيادة /أمنو/ قد يخلق مشاكل لرئيس الوزراء الجديد، مضيفين أن بقاء /أمنو/ داخل حكومة أنور يعتمد أيضا على طبيعة المناصب الحكومية التي ستكون من نصيبها.
بالإضافة لذلك، ومع انضمام /أمنو/ للحكومة الجديدة، فمن المحتمل أن تدفع باتجاه إصدار عفو ملكي عن رئيس الوزراء الأسبق نجيب عبد الرازق، المسجون حاليا بتهم فساد، الأمر الذي قد يثير غضب ناخبي وحلفاء أنور.
وفي تصريحاته الأولى، عقب تعيينه رئيسا للوزراء، أكد السيد أنور إبراهيم أن مسألة الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة ستكون من أولويات حكومته، لتخفيف العبء الذي يتحمله الشعب، وقال إنه رئيس وزراء لجميع المواطنين الماليزيين، ويمثل جميع الأعراق، وإن حكومته ستراجع برنامج الإعانات، بهدف توجيه الأموال للفئات محدودة الدخل، وإنه ينبغي توجيه الإعانات لمستحقيها، وإلا ستذهب للأثرياء أيضا، مضيفا أنه سيتم النظر في حوافز أخرى للصناعات التي لم تعد تستفيد من الدعم.
وتقدم ماليزيا إعانات لجميع المواطنين، وتشير التقديرات إلى أن حجم إنفاق ماليزيا هذا العام على الإعانات حوالي سبعة عشر مليار دولار.
وعلى مدار عقود، دعا أنور إلى احتواء الجميع وإصلاح النظام السياسي في الدولة متعددة الأعراق، حيث إن حوالي سبعين بالمئة من سكان البلاد البالغ عددهم 33 مليون نسمة من عرقية الملايو، معظمهم مسلمون، وتشكل مجموعات السكان الأصليين، ذوي الجذور العرقية الصينية والهنود، النسبة الباقية.
وقد طالب السيد أنور إبراهيم بالتخلص من السياسات التي تحابي الملايو والقضاء على المحسوبية التي أبقت ائتلاف الجبهة الوطنية لأطول فترة في حكم ماليزيا، وأكد أن الحكومة ستعكس آمال وتطلعات جميع الماليزيين، وشدد على ضرورة حماية المكانة الخاصة للملايو والإسلام كدين للاتحاد، وقال إن الحكم الرشيد والقضاء على الفساد سيكونان أساسيين في حكومته، كما لقي شعاره المدوي “الإصلاح” قبولا حسنا على الصعيد الوطني، ومازال الشعار هو الوعد الرئيسي لتحالفه.
وفي إشارات واعدة تدل على الثقة الكبيرة، تفاعلت الأسواق المحلية مع تعيين أنور، بأكبر انتعاش شهدته منذ عامين، كما استجابت الأسواق العالمية لهذه الخطوة من خلال العملة الماليزية الرينجيت التي شهدت أفضل يوم لها في سوق العملات منذ عام 2016.

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X