كتاب الراية
المغربي دفع البلجيكي إلى ساحة «الفنا» في مراكش

منتخب المغرب .. «كنحماق» عليكم

الحارس «المحمدي» كان ثابتًا في مرماه مثل «صومعة حسان»

المغاربة استعرضوا في الشوط الثاني قدراتهم في فن «التبوريدة»

«أمرابط» كان «مرابطًا» وسط الميدان مثل شجرة «الأرجان»

هجمات المغرب تلاطمت على مرمى بلجيكا كتلاطم أمواج الأطلسي

مدرب بلجيكا استبدل «هازارد» لتناوله «طاجن» الدجاج بالزيتون

منتخب المغرب قدم عرضًا ساحرًا في ترقيص «الأفاعي»

الركراكي «ركرك» وأربك وفكك بخُطته دفاعات بلجيكا

على إيقاعات «الدقة المراكشية»، صنعَ مُنتخبُ المغرب، ملحمةً كُرويةً، «مونديالية» تاريخية، في «مونديال قطر»، بعد فوزه المُستحق على نظيره البلجيكي، توّجه بإحراز هدفين، في مرمى المُنتخب المُصنف رقم (2)، في قائمة التصنيف العالمي، الصادر عن «الفيفا» لشهر أكتوبر.
هناك، على «استاد الثمامة»، حيث توجد أكبر «قحفية» قطرية، تشكل الهيكل الخارجي للملعب، وتشبه في نقوشها «الطاقية»، التي نرتديها تحت «الغترة» و«العقال»، دفع «المغربي» مُنافسه البلجيكي إلى ساحة «الفنا»، ولا أقول «الفناء» أو الاضمحلال والزوال في «المونديال»!
ومثلما تُعطي تلك الساحة الشعبية، ذائعة الصيت، لمدينة «مراكش»، زخمها التراثي، وبُعدها الثقافي، وإرثها المعرفي، وكيانها السياحي، وتشتهر بعروض السحرة، وترويض الزواحف، قدم «المغاربة» عرضًا كُرويًا ساحرًا، في كيفية ترقيص «الأفاعي»!
وقبل ذلك الاستعراض الرائع، اصطحب مُنتخب المغرب مُنافسه، لزيارة «الكتبية»، التي لا يُمكن ذكر اسم «مراكش»، دون أن تتراءى لمخيلة السامع صورتها.
وخلال الزيارة، تمَ التقاطُ الصور التَذكارية، حول مُحيط ذلك الشاهد التاريخي، الذي تجاوز عمره (900) سنة، ويطل بشموخه على ساحة «جامع الفنا»، ليشهد على جماليات المدينة الحمراء، وتاريخها الحضاري الموغل عبر الزمن.
ومع مرور زمن المُباراة، في شوطها الأول، الذي تساوت فيه الموازين بين المُنتخبين، وسط تكافؤ الأداء بين الطرفين وغياب الفرص الخطيرة عن مرمى الفريقين، وانحصار اللعب في مُنتصف الملعب، بين الجانبين، نظم مُنتخب المغرب صفوفه، على غرار ما كان يحدث في ساحة «الفنا»، في عهد دولة «المرابطين»، الذين استخدموا تلك الساحة لاستعراض جيوشهم، والوقوف على استعداد قواتهم، قبل الانطلاق لمعارك توحيد المدن والبلاد المُجاورة.
وفي واحدة من تلك الهجمات، ولا أقول «الغزوات»، ألغى الحكم المكسيكي «سيزار راموس» هدفًا لا يُلغى للمُهاجم المغربي البارع حكيم زياش، في اللحظات الأخيرة من الشوط الأول، بعد لجوء الحكم إلى تقنية «الفار»، التي أبطلت مفعول الهدف، لكنها لم تُبطل تفاعل المغاربة، وحرصهم على تفعيل النسق الهجومي، والسعي لإحراز الأهداف، لضمان تحقيق الفوز.
ومع نهاية الشوط الأول بالتعادل السلبي، اتجه مُنتخب «المغرب» من المدينة الحمراء، لأداء صلاة «المغرب»، في مسجد «الحسن الثاني» الواقع في الدار البيضاء، ذلك الجامع الذي ينفرد ببنائه الفريد من نوعه، بمئذنته الشامخة، وإطلالته على المُحيط، وكأنه منارة تسبح فوق البحر وتحرس المدينة وأهلها!
ولعل ما يُميز ذلك الجامع، المُطل على ذلك الفضاء الأطلسي الواسع، أن الملك الراحل، الذي بناه، تعهد بإقامة مسجد كبير على الماء.
وسط ذلك المشهد، الذي يمنح الناظر، شعورًا لا يضاهى من «الروحانية» والانبهار، في لحظات التأمل والإبصار، حيث تتلاطم أمواج المُحيط الأطلسي على جدران المسجد، وكأنها تعكس هيجان البحر، ولحظات اشتباك الموج مع صخور المُحيط هناك، ومن هناك إلى هنا، تلاطمت هجمات مُنتخب المغرب وموجات هجومه على مرمى بلجيكا!
وفي إطار ذلك المد الهجومي، قدم «المغاربة» عرضًا في فن «التبوريدة» الذي يُعد واحدًا من فنون الفروسية التقليدية، ويظهر الفرسان خلالها قدراتهم على التحكم بتوازنهم على صهوة الخيول، وهم يُطلقون نيران بنادقهم، في اتجاه الهدف المعلوم المجهول!
وضمن ذلك الاستعراض الرجولي، وذلك العرض البطولي، أظهر «خيالة المغرب» قدراتهم على الوصول المُتلاحق، والمُتدفق إلى مرمى بلجيكا، وإصابة أهدافهم بدقة، ومنها الهدف الأول الذي أحرزه «عبدالحميد صابيري»، لاعب نادي «سامبدوريا» الإيطالي، المولود في «كلميم» عام 1996، هناك حيث بوابة المغرب إلى الصحراء!
هناك في الجنوب الملكي المغربي، حيث موطن الإبل، والقلاع، والحصون، وواحات النخيل، والمناظر الطبيعية الخلابة، وجلسات «الأتاي» الصحراوي.
هناك، ومن هناك، إلى هنا، كان لا بد بعد إحراز الهدف، إظهار ذلك الشغف، المُتمثل في تناول رشفات من ذلك الشاي الأخضر، باعتباره يرتبط بالإنسان المغربي، مُتجاوزًا كونه مشروبًا شعبيًا، ليُشكلَ مظهرًا من مظاهر سلوكه اليومي.
ومن ذلك الجنوب المغربي، إلى هنا في الجنوب القطري، كان اللاعب «سفيان أمرابط»، لاعب «فيورنتينا» الإيطالي، «يرابط» في وسط الملعب، ويربط الدفاع بالهجوم، ويدمج الهجوم بالدفاع، مُرتكزًا في مُنتصف الميدان مثل شجرة «الأرجان»، التي تشتهر بزيتها النادر، ومنتوجها الفاخر، الذي يعتبر من أندر الزيوت النباتية في العالم.
ومثلما تمتاز تلك الشجرة النادرة، بجذورها العميقة، المُمتدة في أعماق الأرض المغربية، وقدرتها على مقاومة عوامل الطبيعة، زرع «سفيان» أقدامه كلاعب ارتكاز، على أرضية الملعب، مُظهرًا قدرته على صد الرياح البلجيكية، ومنع زحفها باتجاه مرمى فريقه.
أما زميله الحارس «منير المحمدي» الفارع الطول، المُنضم لصفوف «الوحدة» السعودي، فقد كان ثابتًا في مرماه، مثل ثبات «صومعة حسان» التاريخية الشاهقة الشامخة، في العاصمة الرباط، والتي شيدت في عصر «دولة الموحدين».
ولعبَ الحارس المُتألق، دورًا في «توحيد» صفوف فريقه، ومنح الثقة لزملائه مُبكرًا، بعد دخوله في «لحظة طارئة»، قبل بداية المُباراة إثر شعور زميله الحارس الأساسي «ياسين بونو» بدوار في رأسه، ما اضطر المُدرب إلى استبداله في اللحظة الأخيرة!
ونجح الحارس «الاضطراري» في التصدي للعديد من الفرص الخطيرة، من بينها تسديدة المُهاجم «ميتشي باتشواي».
كما تصدى بمهارة وجدارة وشطارة وجسارة، لتسديدة قوية من اللاعب «دريسي مارتينيز»، ذي الأصول المغربية، الذي دخل بديلًا للاعب «هازارد».
وجاءَ استبدال «أيدين» لاعب «تشيلسي» السابق، وريال مدريد الحالي، بعدما اكتشف مُدربه، أن قائد المُنتخب، الذي يحب «الهامبورغر» و«البيتزا»، وغيرهما من المأكولات كاملة الدسم، تناول بين شوطي المُباراة، «طاجن الدجاج» بالليمون، إضافة إلى «الكسكسي» باللحم والخضار والزيتون، الذي يتناوله المغاربة في يوم الجمعة، ما أثر على قدرته في إحداث الفارق، فتم استبداله باللاعب «دريسي مارتينيز»، المُنضم لصفوف «غلطة سراي» التركي، في صفقة مجانية، بعد نهاية عقده مع «نابولي» الذي أمضى فيه قرابة عقد من الزمان.
ومع تألق الحارس المغربي، في الدفاع عن مرماه، أضاف «زكريا بو خلال» الهدف الثاني لفريقه، في الدقيقة (90)، مُترجمًا أهداف «المسيرة» الكُروية «الحمراء» الظافرة، التي حركها «حكيم زياش» في الملعب، على غرار «المسيرة الخضراء» التي قادها الملك الراحل «الحسن الثاني» باتجاه الصحراء في نوفمبر 1975، والتي تعتبر حدثًا تاريخيًا مُهمًا في تاريخ المغرب ووحدته الترابية.
هكذا صنع مُنتخب المغرب، فوزه التاريخي على مُنتخب بلجيكا، مثلما تتم صناعة «الزليج» الذي تشتهر به مدينة «فاس» تلك المدينة التراثية الثقافية، التي أسسها «إدريس الثاني» في عام (789) فأصبحت عاصمة «الأدارسة».
ومن هناك، من تلك المدينة الزاخرة، بتاريخها وتراثها، التي تُحيط بها التلال والجمال..
إلى هنا في «استاد الثمامة» صنع «المغاربة» منتوجًا كُرويًا ونصرًا «موندياليًا» بجودة عالية، وكأنهم يصنعون قطعة من البلاط الفسيفسائي، المصنوع من الخزف الملون، الذي يُزين الجدران، ويسمونه «الزليج»!
لقد قطف مُنتخب المغرب، حصاد أدائه الاحترافي، مثلما تقطف حبات «الزيتون»، في موسم القطاف، في شهر أكتوبر من كل عام.
هناك في «شفشاون» في الشمال المغربي، حيث تفرض حقول «الزيتون» وجودها في المكان، وحيث تنبعث رائحة زيت الزيتون، وحيث يخرق ذلك السكون، صوت خرير المياه المُتدفق من الجداول، النابعة من قلب الجبال، وحيث صلابة الرجال وحيث قوة الأبطال، الذين صنعوا ملحمة الانتصار، على بلجيكا في «استاد الثمامة»..
ولا بد أن أميطَ «اللثامة»، عن صانع الإنجاز، وأقصد المُدرب الوطني المغربي «وليد الركراكي»، الذي «ركرك»، وأربك، وفكك، دفاعات المُنتخب البلجيكي، وقاد مُنتخب بلاده لتحقيق الانتصار التاريخي.
وقبلها، سبق له قيادة «الوداد» البيضاوي للفوز ببطولة أبطال إفريقيا.
كما سبق له قيادة «الفتح» المغربي للفوز ببطولة الدوري، وأيضًا قاد «الدحيل» القطري للفوز ببطولة الدوري.
أما نجم المُباراة -من وجهة نظري- فهو «حكيم زياش»، الذي أثبت أنه الأجدر والأقدر، ميدانيًا وبدنيًا ومهاريًا، لأداء مُباريات كاملة مع فريقه «تشيلسي».
وأثبت أن مُدربه الإنجليزي «هاري بوتر»، عفوًا أقصد «غراهام بوتر»، يتعامل معه بطريقة «عنصرية» فوقية -كعادة الإنجليز- ويتعمد إشراكه في الدقائق الأخيرة، أو الأوقات الحرجة، من مُباريات الدوري الإنجليزي، ما لا يسمح له بإظهار تمريراته الإبداعية، ومهاراته الكُروية.
ويبقى التوقف عند «كورتوا» حارس بلجيكا المغرور، الذي قدم أداءً سيئًا وكان أسوأ لاعب في المُباراة.
ومع نهاية «الحوار الكروي» المغربي البلجيكي، ضمن مُنافسات المجموعة السادسة في «مونديال قطر»، وزع المغاربة «الشنيك»، وهو نوع من المخبوزات الحلوة اللذيذة الطعم، و«البريوات» المحشوة باللوز والقرفة وماء الزهر.
ولا أنسى «البسطيلة» التي يختلط فيها المالح مع الحلو، تمامًا مثل أداء المُنتخب المغربي، الذي كان مالحًا في الشوط الأول، وحلوًا في الشوط الثاني!
وأختم مقالي بتوجيه كلمات إلى نجوم مُنتخب المغرب وأقول لهم:
لعبكم «يسطي بالزاف»، و«كنحماق» عليكم!

 

@AhmedAli_Qatar

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X