كتاب الراية
«ديوان المبتدأ والخبر» في هزيمة فرنسا في «مونديال قطر»

التونسي فاز على «بطل العالم» بفضل «إرادة الحياة»

تونس قدمت درسًا تعليميًا لفرنسا في ملعب «المدينة التعليمية»

الأداء الفوضوي لمنتخب فرنسا أشبه بمظاهرات «السترات الصفراء»

التونسي أفسد خطورة «السيطرة الاستعمارية» على «الأقدام الذكية»

انتصار تونس مثل «قصيدة شعر» انسابت قوافيها في «كأس العالم»

الحارس «دحمان» جلس في مقهى فرنسي وطلب فنجانًا من «الإكسبريسو»

 علَى أجنحةِ قصائدِ الشاعرِ التونسي «أبو القاسم الشابِّي»، ودواوينه المُسافرة إلى قطر، حققَ مُنتخبُ تونس، فوزًا أشبه بأبيات «قصيدة شعرية»، ألقاها على مُنتخب فرنسا، انسابت قوافيها، وتوزعت أبياتها، ولعلعت معانيها، ضمن مُباريات المجموعة الرابعة، لبطولة كأس العالم 2022.

لقدْ فرضَ المُنتخبُ التونسي إرادته، وأحكم إدارته، وفرض سيطرته، طوال شوطَي المُباراة، على مُنافسه الفرنسي، فاستجابت له إرادة الانتصار.

.. وبكل إصرارٍ، أحرز اللاعب «وهبي الخزري» هدف التفوق والتألق والتعملق، في الدقيقة (58)، عندما انطلق مثل جواد عربي، مُتخطيًا دفاعات فرنسا، وسدد الكرة زاحفة بقدمه اليُسرى، لتتهادى في المرمى، وكأنها موجة، من أمواج البحر المتوسط، تُعانق السواحل التونسية، في «الحمَّامات» أو «جربة»، أو «سوسة» أو «المنستير»!

وأستطيع القول  بثقة : إن هذا الهدف يعكس التزام التونسي بمبادئ «حقوق الإنسان»، ومنها «حقوق المُشجعين»، في الاستمتاع بأداء فريقهم القومي.

كما يأتي انعكاسًا لمبدأ «حرية التسديد» و «حرية التسجيل»، في سياق «حرية التعبير»، بأقدام اللاعبين، التي تختلف عن الحرية المُزيفة، في فرنسا، التي يتباهون بها، ولا يطبقونها إلا وَفقًا لمعاييرهم المُزدوجة.

وبعيدًا عن الازدواجية إذا تابعنا، وتتبعنا خط سير المُباراة، وأحداثها وتفاصيلها، نجد أنها تعكس أبيات قصيدة «إرادة الحياة»، التي نالت مكانةً مرموقةً في الثقافتين التونسية والعربية، بعدما نجح التونسي في الفوز على «أبطال العالم»، ليُحققَ الانتصار الكُروي العربي الأول، على المُستعمر الفرنسي، الذي جاء إلى «المونديال»، حاملًا إرثه الاستعماري!

وتأكيدًا على استعلاء الفرنسيين، ونظرتهم الفوقية، لشعوب مُستعمراتهم القديمة، فقد أشرك المُدرب الفرنسي لاعبي الصف الثاني، خلال الشوط الأول من المُباراة، اعتقادًا منه أنه يستطيع تحقيق الفوز بالبدلاء.

لكن هذا التغيير في كِيان الفريق، أثر سلبيًا على أداء المُنتخب، وجعله يتراجع وينكمش في ملعبه، حتى بدا، وكأنه سيارة «بيجو» قديمة من أيام «شارل ديغول»، مركونة على رصيف أحد الشوارع الخلفية، المُتفرعة من «الشانزليزيه»!

وكان التساؤل بارتفاع «برج إيفل»: هل هذا فريق «أبطال العالم»، أم مُنتخب «جزر القمر»؟

ونتيجة لانكماش المُنتخب الفرنسي، في ملعبه، وكأنه حبة «مارون جلاسيه»، لم يتعرض الحارس التونسي «أيمن دحمان»، لأي تهديد وجودي، خلال الشوط الأوَّل.

ولهذا جلس مرتاحًا، على مقعد في مقهى فرنسي، بالقرب من مبنى «الأوبرا» في العاصمة الفرنسية، وطلب فنجانًا من «الإكسبريسو»، مع قطعة من «الكرواسون»!

أما مُنتخب تونس، فقد كان عنوان خُطته طوال شوطي المُباراة، مُرتكزًا على تطبيق تكتيك العبارة التالية:

«إذا التونسي أراد الانتصار.

فلا بد أن يتحققَ في مونديال قطر».

وكان واضحًا أنه يستلهم خُطة المُباراة، من أبيات «أبو القاسم الشابِّي» التي يقول فيها:

«إذا الشعب يومًا أراد الحياة

فلا بد أن يستجيب القدر»

.. وعلى أرضية استاد «المدينة التعليمية»، قدم «التونسي» درسًا «تعليميًا»، في الشوط الأول، لخَصْمه «المُستعمر الفرنسي» القديم، مُعبرًا بكل كبرياء، عن كرامته، وحريته، واستقلاليته، من خلال إنشاد أبيات الشابِّي التي يقول فيها:

خُلقت طليقًا كطيف النسيم

وحرًا كنور الضحى في سماه

وكان أداء مُنتخب تونس يُطاول السماء، في ذلك المساء، في حين غلب على أسلوب المُنتخب الفرنسي «الفوضى»، وشعرت بأن اللاعبين كانوا مجموعة من «الفوضويين»، الذين تم القبض عليهم في مُظاهرات «السترات الصفراء» ويُمثلون حركة الاجتماعات الشعبية، التي ظهرت لأول مرة على الساحة الفرنسية، في مايو 2018، وأشعلت فتيل المُظاهرات الاجتماعية في فرنسا، لدرجة مُطالبتها باستقالة الرئيس «ماكرون»!

مع انطلاقة الشوط الثاني، خاض مُنتخب تونس مُباراته «مُقاومًا» لكل أشكال الاستعلاء والاستبداد والاستعمار، التي تشتهر بها الشخصية الفرنسية العنصرية، ووجهَ رسالةً للفرنسيين، بأقدام اللاعبين، مُنشدًا بأفواه التونسيين:

ألا أيها الظالم المستبد

حبيب الظلام عدو الحياة

سخرت بأنات شعب ضعيف

وكفك مخضوبة من دماه

حذار فتحت الرماد اللهيب

ومن يبذر الشوك يجن الجراح

لقد أدركَ التونسي خلال المُباراة، مدى خطورة السيطرة «الاستعمارية»، أقصد الميدانية داخل الملعب، على الأقدام التونسية الذكية، فصار يدعو إلى «نهضة» في مُنتخب «نسور قرطاج» تختلف في أهدافها عن حركة النهضة!

ودعا إلى ثورة كُروية في الملعب ضد المُستعمر الفرنسي، وضد العنصرية الغربية، وضد الفوقية الأوروبية.

وفي سياق هذا النسق «الثوري»، العربي الكُروي المُتصاعد، سحب مُنتخب تونس، مُنافسه إلى قرية «الشابية»، في ولاية «توزر»، مسقط رأس شاعر الخضراء «أبو القاسم الشابِّي»، ليُطلعه على إرث، شاعر الإرادة، شاعر الوطن، شاعر الحياة، شاعر الأمل، الذي يتضمن إرثه الشعري، أكثر من 130 قصيدة، ومجموعة من الدواوين الشعرية.

وسط أجواء تلك المنطقة الشاعرية، هناك في «الشابية»، التي تعتبر عاصمة التمور، ضغطَ مُنتخب تونس على «أبطال العالم»، وقدم مع انطلاقة الشوط الثاني، أداءً بطعم «دقلة النور»!

هناك حيث واحات النخيل المُنغرسة في الصخور، وحيث الهضاب والجبال، وحيث الكثبان العملاقة المُتشكلة من الرمال، وحيث هناك يسكن الخيال!

وفي إطار هذا الجمال، أحرزَ مُنتخب تونس هدفه في مرمى فرنسا، في الدقيقة (58)، لترتسمَ على وجه المُدرب «جلال القادري»، ابتسامة «موناليزية»، لا تختلف في سحرها، ولا تبعد في رقتها، عن تلك الابتسامة الساحرة، التي تُزيّن لوحة «الموناليزا»، ويسمونها في فرنسا «الجيوكاندا»، المعروضة في متحف «اللوفر» في باريس منذ عام (1797)، ورسمها الفنان الإيطالي «ليوناردو دافنشي»، في القرن السادس عشر، خلال عصر «النهضة»، ولا أقصد حركة النهضة!

وعلى وقع الصدمة، التي أصابت المُنتخب الفرنسي، أجرى مُدربهم (3) تغييرات دفعة واحدة في الدقيقة (63)، حيث دخل «مبابي»، بدلًا من «كومان»، و«رابيو»، بدلًا من «جوردان»، و«ساليبا»، بدلًا من «فاران».

ولتحقيق أهداف خُطته بإتقان، حاول «ديشامب» أن يُخاطبَ الجمهور باللغة العربية الفصحى، على طريقة «قيس سعيّد» لكنه لم ينجح في إحداث التغيير، من خلال ذلك التعبير، والنطق بمُفردات «لغة الضاد»، بعدما تحول الحرف المُميز في لُغتنا العربية الجميلة، على لسانه إلى «داد»!

  • أداء التونسي الرائع طاول السماء في ذلك المساء المونديالي التاريخي
  • منتخب تونس خرج مرفوع الرأس وعلى أذنه باقة «ياسمين»

في سياق هذه الأبعاد، حاول مُدرب فرنسا، احتكار «السلطات الثلاث»، أقصد سلطة الدفاع والوسط والهجوم في الفريق!

كما حاولَ رفع «الحصانة» الكُروية، عن المُنتخب التونسي، وتجميد مُفردات التشجيع «برشا»، «برشا»، وإقالة «حكم المُباراة»، وإجراء «استفتاء» على شعبية المُنتخب الفرنسي، خلال حُزمة إجراءات أحادية الجانب، انتقدتها جماهير المُشجعين التي اعتبرت ما قام به «ديشامب»، يُشكل «انقلابًا» على الدستور، عفوًا أقصد الجمهور، وأعني الحضور!

وفي غمرة كل هذه الأمور، بكل ما فيها من تفاعلات، ولا أقول انفعالات، كان لا بد من توجه المُنتخب التونسي، مع بداية الشوط الثاني، إلى شارع «الحبيب بورقيبة»، لتحريك مُظاهرة حاشدة، ضد الفرنسيين، في ذلك الشارع المؤدي شمالًا إلى «حلق الوادي»، وجنوبًا حيث يوجد تمثال المُفكر والفيلسوف وعالم الاجتماع «ابن خلدون»، المولود في تونس عام (1332) صاحب «المقدمة» الشهيرة، التي تتصدر كتابه الأشهر، الذي صدر بعنوان:

«ديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر».

.. وعلى نهج ذلك الإصدار التاريخي، لخص مُنتخب تونس أحداث الشوط الثاني في سياق هذا العنوان:

«ديوان المبتدأ والخبر، في فوز تونس على فرنسا، في مونديال قطر»!

وعندما كانت المُباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة، وبعد سلسلة من التغييرات الفرنسية في اللاعبين، التي حركت عدة هجمات فاشلة على مرمى تونس، أحرز البديل «غريزمان»، الذي دخل بديلًا عن المُدافع «فوفانا»، في الدقيقة (73)، هدفًا لم يُحتسب في الدقيقة (90) استنادًا إلى تقنية «الفار»، التي اصطادت حالة «التسلل».

وكشفت تلك التقنية اعتياد أو تعود الفرنسيين، على التسلل إلى بيوت الآخرين، والتدخل في شؤونهم الداخلية، وخصوصًا شعوب القارة الإفريقية، سواء في شمالها أو غربها أو وسطها، وفي أعماقها!

هكذا سارت أحداث مُباراة تونس وفرنسا، في «مونديال قطر»، وهكذا فاز مُنتخب العلّامة العالم «ابن خلدون» على فريق «ابن نابليون»!

وهكذا انتصر مُنتخب «الشابِّي»، وحرك الوجدان، والعنفوان، بأسلوب شاعر الثورة، ومُحرك مشاعر الفورة، صاحب القيد المُنكسر، والألم المُندثر، الذي حرك تفاعلات الجمهور المُنبهر، بالمُنتخب العربي المُنتصر.

وهكذا، خرج مُنتخب تونس من«المونديال»، وعلى طرف أذنه باقة من «الياسمين»، وأطلَّ على الجمهور في استاد «المدينة التعليمية» من شرفة منزل تونسي في «سيدي بوسعيد»، تصطبغ نوافذه باللون الأزرق وسط الفضاء الأخضر.

هناك حيث إطلالة المنازل و«الأنهج»، والأزقة الضيقة، الصاعدة والهابطة، والأشجار والاخضرار، المُطل على ساحل البحر المتوسط.

هناك، ومن هناك إلى هنا، فاح عبق «الياسمين» التونسي، في أرجاء مونديال قطر، وانتشرت رائحة تلك الزهور الناصعة البياض، بشكلها الزاهر الأخاذ، الذي يسر الناظر، باعتبارها ترتبط بثقافة وتقاليد تونس.

ويكفي للدلالة على رمزية هذه الزهرة، أن «الثورة» التي انتفضَ فيها التونسيون عام 2011، على الظلم والطغيان، والقهر والغدر والفقر، سُميت «ثورة الياسمين»!

@AhmedAli_Qatar

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X