المحليات
الشيخ عبد الله النعمة في خطبة الجمعة بجامع الشيوخ:

الشريعة الإسلامية قائمة على اليسر والعدل

الإسلام بعيد عن المشقة والحرج والتكلف والغلو

التوازن والاعتدال والتوسط في الحياة سمة التشريع الإسلامي

الوسطية في الدين تحري المسلم الاعتدال وابتعاده عن التطرف

الوسطيةُ سمةٌ بارزةٌ للأمة في الزمان والمكان والاعتقاد والتشريع

الدوحة – الراية:

أكدَ فضيلة الشيخ عبدالله محمد النعمة أن التوازن والاعتدال والتوسط في الحياة، سُنة الله تعالى في خلقه وكونه، وسمة التشريع الإسلامي العظيم، حيث وصف الأمة المُسلمة التي اصطفاها الله تعالى على الناس، وجعلها خاتمة الأمم، شاهدة عليهم يوم الدين، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً).

وقالَ فضيلته خلال خطبة الجمعة بجامع الشيوخ أمس: إن المرء المُسلم ليقرأ كل يوم في صلاته مرات ومرات الدعاء الرباني العظيم الذي علمه الله إياه ووجهه إليه في قوله: (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ).

وأبانَ أنه من رحمة الله تعالى بأمة الإسلام ورفقه بها أن جعل شريعته لهذه الأمة شريعة سهلة ميسورة، قائمة على اليسر والعدل والسماحة والتوسط، بعيدة عن المشقة والحرج والتكلف والرهبنة والغلو، فدين الله وسط بين المغالي فيه والجافي عنه، حيث روى البخاري في صحيحه ما وصى به النبي أمته قائلًا: (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ والقصد القصد تبلغوا).

الوسطية

وأوضحَ أن الوسطية والتوسط في الدين هو ‏أن يتحرى المُسلمُ الاعتدالَ ويبتعدَ عن التطرف قولًا وفعلًا بحيثُ لا يُقصرُ ولا يُغالي، وعدم التوسط في الدين يودي بصاحبه إلى الغلو في الدينِ وهو آفةُ الأمَمِ السابقةِ وسببُ هلاكِ أقوامٍ، فقد صحَ من حديثِ ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إيّاكُم والغُلُوّ في الدِّينِ فإنَّما أهلَكَ مَنْ كانَ قبلَكُم الغُلُوُّ في الدّين».

وذكرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عاقبةَ الغالينَ في الدِينِ فقال: «هلكَ المتنطعون.. قالها ثلاثًا»، والمُتنطعون المُتعمقونَ المُغالونَ المُجاوزونَ الحدودَ في أقوالِهِمْ وأفعالِهِمْ. وقالَ: الوسطيةُ السمحةُ هي منهجُ الدين واتباعٌ لمنهجِ الاعتدالِ والرحمةِ واليُسرِ والرِفقِ، وهي دفعٌ عن ظلمِ النفسِ وظلمِ الناسِ بل من كان بعيدًا عن الوسطية والاعتدال هو للجهلِ أقربُ ومن العلمِ والعلماءِ أبعد. قال ابنُ المُنيرِ -رحمهَ الله-: «رأينَا ورأى الناسُ قَبْلَنَا أنَّ كُل مُتنطِع في الدينِ ينقَطِعُ». وأشارَ إلى أن الوسطية سمةٌ بارزةٌ لهذه الأمة في الزمانِ والمكانِ، في الاعتقاد والتشريع، في التكليف والعبادة، في الأخلاق والمُعاملة، في كسب المال وإنفاقه، في مطالب النفس وشهواتِها، والروح واحتياجاتِها. واستدلَ بما جاء في الحديث المُتفق عليه عن أنس -رضي الله عنه- قال: قدِمَ ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ فلما أُخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم-، قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليلَ أبدًا، وقال الآخر: أنا أصوم الدهرَ ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساءَ فلا أتزوجُ أبدًا، فجاءَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصومُ وأُفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوجُ النساء، فمن رغِبَ عن سنتي فليس منّي).

ونوه بقول ابن تيمةَ رحمَهُ الله: ‏أهلُ السنةِ والجماعة -الفرقةُ الناجيةُ- وسط في النحلِ، كما أن مِلةَ الإسلامِ وسطٌ في الملل، فالمُسلمونَ وسطٌ في أنبياء الله ورسلِهِ وعباده الصالحين.

الاعتدال

وأكدَ فضيلة الشيخ عبد الله النعمة أن الابتعاد عن الوسطية والاعتدال في الدين، يؤدي إلى منهج الغلو وهو سببٌ لتشديدِ اللهِ على العبدِ وعلى الأمةِ، حيث يقولُ ابنُ القيمِ: نهى النبيُ صلى الله عليه وسلم عن التشديدِ في الدينِ بالزيادةِ على المشروعِ وأخبرَ صلى الله عليه وسلم أن تشديدَ العبدِ على نفسِهِ هو السببُ لتشديدِ اللهِ عليهِ إِمَّا بالقدرِ وإِمَا بالشرعِ، فالقدرِ كَفِعلِ أهلِ الوَسواسِ فإِنَّهُمْ شدَّدُوا على أنفسِهِم فشدَدَ عليهِمْ حتى استَحكَمَ وصَارَ صِفةً لازمَةً لهم.

وأشارَ إلى أن التشديد بالشرعِ كمن شَدّدَ على نفسِهِ بالنَّذرِ، فشدّدَ اللهُ عليه فألزَمَهُ الوفاءَ بهِ.

وأكدَ أنه كانَ دأبُ الصحابةِ والتابعينَ من بعدِهِم تأسيهم بهديِ النبيِ صلى الله عليه وسلم اتباعًا لهذهِ الشريعةِ الغراءِ التي جاءتْ للتوسطِ والاعتدال والتيسيرِ والرفقِ ناهيةً عن الغلوِ والتكليفِ والإفراطِ والتفريطِ.

وقال: وعند البيهقي عن جابرِ بن عبداللهِ رضي الله عنهما أنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عبَادَةَ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى).

ونوهَ بقول عُبَادَةُ بنُ نُسَيًّ – رضي الله عنه لِجماعةٍ: (أدركت أقوامًا ما كانوا يُشدِّدُونَ تشدِيدَكُم ولا يسألونَ مسائِلَكُمْ).

الهدي النبوي

وقالَ: نذكر هذه النماذج -أيها المُسلمون- في التشديد في العبادة والتكلف فيما فوق الهدي النبوي القائم على الاقتصاد والاعتدال والابتعاد عن الغلو والرهبنة. وأضافَ: ومع أن الصحابة الكرام؛ هدفهم المُسارعة في الخيرات ونيل أعلى الدرجات، قد غلب عليهم الخوف من الله تعالى، والوجل من أليم عقابه وناره، والحرص على الفوز بالجنة، فقد نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا، وأمرهم بلزوم الاعتدال والوسط؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الْهديَ الصَّالحَ والسَّمتَ الصَّالحَ والاقتصادَ جزءٌ من خمسةٍ وعشرينَ جزءًا منَ النُّبوَّةِ) حديث حسن رواه أبو داود وأحمد. ودعا فضيلته في نهاية الخطبة إلى أن ندفعَ عن أنفسنا الغلوَّ والتكلفَ وأن نلتزم بالوسطية السمحة، وأن نلزمَ مجالس العلم والعلماء، وأن نقتدي بأهلِ الهدى لا أهلِ الهوى الذين لا حظَّ لهم من العلمِ الشرعي، حيث قال سبحانه وتعالى: «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤولًا».

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X