كتاب الراية

دوحة العالم …. نشيد الأطلس في ملحمة العرب

مشى مُنتخبُ المغرب إلى استاد الثمامة، مُنتصب القامة مرفوع الهامة، ينشد إنجازًا تاريخيًا ترفع له العمامة، فما شعر مرة من المرات التي شارك فيها سفيرًا للعرب في كأس العالم، أنه قريب من تَكرار إنجاز عبور تاريخي مر عليه رَدَحٌ من الزمن، أكثر ما شعر به هذه المرة، كيف لها وهو يلعب في بيته، بين أهله وذويه، محميًا ومُحصنًا وموضوعًا في بؤبؤة العين.

ما كان لأحد أن يطمئنَ، وقد وصل المغرب للنقطة الرابعة بعد فوزه «الهلامي» على شياطين بلجيكا وتعادله «الجبار» أمام الكروات، على أن التأهل بات في قبضة اليد، حتى لو أن المُنتخب الكندي الذي جاء لمُقابلته في المُنعرج الأخير، شيع مُبكرًا للإقصاء في أعقاب خسارتين من أول مُباراتين، وكان أول من توجس من مغبة بيع جلد الحمر الكنديين بثمن بخس، هو مُدرب الأسود وليد الركراكي، بدليل أنه أوْكل لنفس الكوماندو الذي أنجز مهمة اصطياد النقاط الأربع من نهر التماسيح، البحث عن النقطة التي تكفي للعبور التاريخي، ومن يطلب في العادة نقطة من مباراة مفصلية ومصيرية، يجب أن يدخلها باحثًا عن الفوز حتى لا ينكسرَ له خاطر.

وأمام مُنتخب كندي جاء لمُباراته المونديالية السادسة يطلب هو الآخر نقطة للتاريخ، قلب أسود المغرب والعرب المجن وعكسوا الآية، فبدل أن يستهلوا مُباراتهم مُراقبين ومُتحينين وحتى حذرين، انطلقوا في البراري الكندية يبحثون عن الطرائد الحمر، فتصيدوا هدفين من الجولة الأولى، كانا قرطين من لؤلؤ، أو كانا بساطين من زمرد نقلا أسود الأطلس إلى رحاب التاريخ، فما سيحدث في هذه المُباراة بالذات تتويج لدور مجموعات مُبهر، هو أن مُنتخب المغرب لم يتأهل للدور الثاني سفيرًا للعرب في مونديال العرب فحسب، بل إنه قرن ذلك بتصدره لمجموعة الموت بسبع نقاط، ليسقط سربًا من الأرقام القياسية برمية واحدة.

ولعلي لن أجدَ في تجوالي عبر نفائس الأدب العربي، أفضل وأبلغ تعبير ووصف عن هذا الذي شاهده العالم وقبله أبناء عروبتي في استاد الثمامة، من البيت الشعري للمتنبي فطحل الشعر العربي قال فيه مُتغنيًا ببلاغة نظمه:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

وأسمعت كلماتي من به صمم

فهذا الإنجاز هو لبلاغة الكلام إعجاز، لأن هذا المُنتخب المغربي الذي أنهى مجموعته مُتصدرًا، تفوق في كل الأسلاك الفنية والتكتيكية على مُنافسيه، وكان بلغة الأرقام التي لا تعرف الكذب أفضل المُتأهلين لدور الستة عشر.

هذا المُنتخب وقد استعاد هُويته وعاد إلى ذاته وشكل من فردياته الرائعة لحمة جماعية مبهرة للعيون وللمُنافسين، لا يمكن أن ننسى أنه حضر إلى مونديال قطر بمُدرب وطني جرى تعيينه على رأس العارضة الفنية قبل تسعين يومًا من انطلاق كأس العالم.

إنه العزم الذي يأتي على قدر أسود العرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X