كتاب الراية

تأملات عابرة ….من الضحيّة؟

ثمّ أتذكّر أنّ الخلل ليس في أحد.. وأنّي نسيتُ مذاق الحياة داخلي

– نحنُ أذنبنَا منذُ اللّحظة التّي قرّرنا فيها أنّ نحبَّ بعضنَا بعضًا وأن نستمرَّ في الأمرِ رغمَ كلّ الإشارات، بعضُ الأشياء تتطلّب الإفلات..، نحنُ لن نكونَ ضحايا أبدًا، نحنُ مذنبان.

– من الضحيّة إذًا ؟

– كلُّ شخصٍ سيعرفنا بعد الآن سيكون الضحيّة، أصدقاؤنا المُقرّبون، عائلاتُنَا، كلُّ إنسانٍ سيحاولُ التقرّب منّا مُجدّدًا سيكون الضحيّة، كلُّ هؤلاء المُحيطينَ بنا، والذّين يعيشونَ حولنا هم الضحايا، من يقتربُ من الظّلام ويُلامسُ قلوبنا الهشّة، من ستجرحه شظايا الانكسارات داخلنا، وردود أفعالنا، قلّة اهتمامنا، وتغافلنا عن كلّ شيءٍ بعد الآن لأنّنا مُتعبان. صدّقني هم سيكونون الضحايا.. ونحن مُجرّد مُذنبين في حقّ أنفسنا.

00:00 منتصفُ اللّيل

أحيانًا، بعد منتصفِ اللّيل، أشعرُ برغبةٍ شديدةٍ في التحدّث إلى شخصٍ غريبٍ، شخص من خَارِجِ دائرةِ علاقاتِي الاعتياديّةِ، ولا أريد أن أبدأ ذلك الحوارَ بمُقدّماتِ طويلةٍ ومُستهلكةْ، بل أريد أن أحكِي بإسهابٍ، ودون تردّد وثرثرةٍ كأنّي أتحدّثُ مع شخصٍ مُقرّبٍِ، مع شخصٍ يحفظُنِي، ويفهمُ شُعورِي جيّدًا، ويردُّ بشغفٍ ويجعلنِي أشعرُ أنّي حيٌّ كما لمْ يفعل أحد من

قبل.

ثمّ أتذكّر أنّ الخلل ليس في أحد، وأنّي نسيتُ مذاق الحياة داخلي

حتّى منتصف اللّيل لم أعد أجيد اللّحاق به، فاتَنِي ككلِّ شيءٍ آخر وأنا أنتظر..

لا يتغير الإنسان بين ليلة وأخرى، لا يتغيّر في لحظةٍ واحدة، أو موقف واحدٍ، إنّما يتغيّر الإنسان على مراحل طويلةٍ ومؤسفة، يتغيّر بقدر ما ينضجُ، وبقدر ما يفهمُ، وبقدر ما تعرّض للأذى، وبقدر ما فشل، وبعدد اللّيالي الطويلة التّي أمضاها وحيدًا، يتغيرّ حين تتزاحم المواقف داخله، حين يخفي آلاف الحكايات المؤلمة التّي تدافعت لتخرج لكنّه كتمها، لا يتغيّر الإنسان في لحظةٍ فاصلة وفارقة، إنّما يتغيّر بعد مرحلةٍ قاسية من التّراكمات.

كلّ الأشياء التّي يكتُمها الإنسان تُصبح جزءًا منه، وكلما اشتدّ ظلامها اشتدّ ظلامه وكلّما كانت أقسى صار أقسى

كيف ستواجهني بعيوبي وأنا أحبّ عيوبي أكثر منكَ ! إنّ الإنسان الذّي لا يتقبّل سيئاته ويُدركها، ستهزمه أيّ مواجهة، أمّا أنا فمُتصالح مع نفسي، أتقبّل هذا الوجه الذّي أنظر إليه في المرآة كلّ صباح، لذلك لا شيء يهزّني، ولا شيء يهزمني.

لمْ تكن تُشبهِنِي، حدَّ الجنون، وحسنًا، لم تكن تُشبهنِي، حدّ الجنون.

صدفة شبه مُستحيلةٍ جمعتنَا عَلى رصيفِ شبهِ الممكنِ،

لم تكن تُشبهِني، لا طيبتك كطيبتِي، ولا اللّين في قسوتِي كقسوةِ لينكَ.

ولا الاهتمامُ في قلبِي كنصفِ حضوركَ..

وشبه الغيابِ..

لم تكن تشبهنِي،

كالطفلِ أشاركُ أشيائِي بعفويّة،

أتحدّثُ بصخب،

أبتسمُ دون خجل،

أرتشفُ الصمتَ من شفاهكَ وأحكِي

كاللّصِ تأخذُ أشيائي والحديثَ وقلبي وأبكِي..

لم تكن تشبهنِي،

كنتَ أصغرَ من أن تحتوِي

أكبرَ الأحلامِ داخِلِي

كنتَ أجبنَ من أن تصدّقَ

أنّ السّماء ملكِي..

لم تكن تُشبهني..

كنتُ أجيد الطّيران، وكنتَ تحبّ السّير في الشوارع المُزدحمةٍ

يُبالغُ في الهُدوء احترامًا للضّجيجٍ بداخِله، يستمرّ بثباتٍ، ويُخفي يدهُ المُرتعشة تحتَ الطّاولة، في اللّيالي الباردة، يتركُ نافذةَ الغرفةٍ مفتوحةً، لعلّ الأصوات تخرجُ من عقلهِ وتدخلُ من النّافذة إحدى الأمنيات..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X