كتاب الراية

قضايا وطنية.. قاعدة عدم جواز الاعتذار بجهل القانون

لو كان هذا التعلل مقبولًا لترتب على ذلك تعطيل حكم قواعد القانون

إن المجتمعات الحديثة في هذا العصر صارت محكومة بقواعد القانون، وتراجعت القواعد العرفية، والتي غالبًا ما تكون شائعة ومعروفة بين الناس، إلى المرتبة الثانية بعد القوانين المكتوبة. وبالنظر إلى أن القواعد المكتوبة تمر، حال إصدارها، بمراحل عديدة وسريعة، هي الاقتراح ثم المناقشة لدى السلطة التشريعية، ثم التصويت، ثم الإصدار، ثم النشر، فإن القاعدة القانونية المكتوبة قد تكون بمعزل عن علم الناس، لذا فإن عملية نشر القاعدة القانونية بعد إصدارها تعد عملية في غاية الأهمية، لأنها هي التي تنقل القاعدة القانونية الجديدة إلى علم الناس. وبالنظر إلى أن عملية النشر المذكورة تكون من خلال وسيلة نشر حددها الدستور أو القانون، وهي الجريدة الرسمية، فإنه يترتب على ذلك أن القاعدة القانونية إذا ما صدرت وتم نشرها في الجريدة الرسمية فإنه يفترض علم كافة المقيمين على أرض بها، ومن ثم التزامهم بحكمها.

ويترتب على ذلك نتيجة في غاية الأهمية، وهي أنه لا يقبل من أحد من المقيمين على أرض الدولة أن يدعي عدم علمه بصدور قانون ما طالما أن هذا القانون قد تم نشره في الجريدة الرسمية، وتلك هي قاعدة عدم جواز الاعتذار بجهل قانون، وهذه القاعدة في غاية الأهمية، بل ولا نبالغ إذا قلنا بأنها تمثل ركنًا أساسيًا من أركان النظام القانوني بالدولة.

ومقتضى هذه القاعدة أنه إذا ارتكب شخص من المقيمين على أرض الدولة ثمة مخالفة لأي قاعدة قانونية، فإنه لا يستطيع الفرار من تحمل تبعة هذه المخالفة متعللًا بأنه كان يجهل وجود هذه القاعدة.

ووجه أهمية هذه القاعدة أنه لو كان تعلل مرتكب السلوك المخالف -بعدم العلم بوجود القاعدة القانونية- مقبولًا لترتب على ذلك تعطيل حكم قواعد القانون والفرار من تطبيقها، فما أسهل أن يزعم من خالف القانون بعدم علمه بوجود أو بصدور هذا القانون، وترتيبًا على ذلك فإن من يخالف قاعدة قانونية يتحمل تبعة هذه المخالفة ولو زعم بأنه لم يكن يعلم بوجود هذه القاعدة، ولا يقبل منه إثبات جهله بوجودها. ولكنْ ثمة فارق بالغ الأهمية بين الادعاء بجهل قانون، وهو ادعاء غير مقبول وفقًا للقاعدة سالفة الذكر، وبين الادعاء بالغلط في فهم قانون، وهو ادعاء مقبول إذا تمكن من يدعيه من إثباته. ويقصد بالغلط في فهم قانون أن يخطئ الشخص في فهم الحكم الوارد في القاعدة القانونية، فهو لا يجهل بوجود القاعدة ذاتها، بل هو يقر بعلمه بوجود القاعدة، ولكنه يدعي أنه قد أخطأ في فهم الحكم الوارد فيها.

وهكذا يتضح الفارق بين الادعاء بالجهل بوجود قانون، والادعاء بالخطأ في فهم مضمون القانون، فالادعاء الأول غير مقبول، بينما الادعاء الثاني مقبول إذا تم إثباته.

ومن الأمثلة على الغلط في فهم حكم القانون حالة من يبيع حصته الميراثية معتقدًا  على سبيل الخطأ  أنه يرث سدس التركة، بينما هو في الحقيقة يرث نصفها، ففي مثل هذه الحالة يكون البيع باطلًا إذا أثبت هذا البائع أنه قد أخطأ في فهم أحكام قانون الميراث، ومن الأمثلة على الادعاء بالجهل بوجود القانون حالة من يتصرف في كل أو بعض تركته وهو على قيد الحياة، فمثل هذا التصرف يقع باطلًا، ولو ادعى المتصرف أنه يجهل بوجود قانون يحظر التصرف في التركة المستقبلية.

@jathnanalhajri

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X