كتاب الراية

بيني وبينك.. انفصام الشخصية عند الكاتب (1-2)

 أكتبُ عن الشّخصيّة أتخيلها أعيشها أتماهى معها أدخلُ في أعماقها وألبسُها فتُصبحني

إنّ التّماهي مع أبطال الرّواية الّذين يصنعهم الكاتب قد يُورثه مرضًا يُدعى (انفِصام الشّخصيّة) أو (تعدّد الشّخصيّة). هل هذا كان يُصيبني بالفِعل؟ الجواب: نعم. ذلك أنّ لأبطال رواياتي تأثيرًا عليّ مثل ذلك التّأثير الّذي أُكسِبهم إيّاه وقد يزيد، بعضُ هؤلاء الأبطال أَكَل وشَرِب معي، بعضُهم صادقني فترةً من الزّمن ثُمّ رمى بصداقتي عُرضَ الحائط وغادرني دون أنْ يقولَ كلمةً واحدة، مُؤلِمٌ هذا الشّعور، تخيّل أنْ لِسانَك لشدّة هذه الصّداقة، يتحدّث بالكلمات الّتي تقولها الشّخصيّة!

حينَ حلّتْ بي شخصيّة (عبد اللّطيف البغداديّ) الّذي كتبتُ عنه رواية (مَسغبة) وجدْتُني أُردّد عباراته، فعلَ كثيرون ذلك معي، لكنّ أبرزهم المتنبّي، كلماته، أبياته، كانتْ تخرج من فمي دون أنْ أدري. في مواقفَ كثيرةٍ كنتُ أواجه ما أنا فيه من رَدّ السّلام أو طلبِ أمرٍ ما أو مُخاطبة جمهورٍ ما، بكلماته، بأبياته. بعضُ أبياته يأتي في مكانه تمامًا، ردًّا على ذلك السّؤال أو استجابةً لذلك الموقف، بعضُها لا يأتي في مكانه، أو هكذا يُظَنّ، فيلتفتُ إليكَ مُحدّثكَ مع نظرة الاستِغراب تلك، ولِسان حاله يقول: «ما الّذي أصابك؟». وأودّ أنْ أردّ عليه: «لم يكنْ هذا أنا، لقد كان المتنبّي!» من الصّعب تصديقُ ذلك!

بعضُهم كانوا مِثل ظِلّي يسيرون معي حيثُ أسير، ربّما كان ذلك مُمتعًا في البداية، ولكنّهم تحوّلوا بعدَ ذلك إلى كوابيس؛ فمُلازمتهم لي جلعتْني أراهم في الأحلام، وأتفاجأ بهم خلفَ الأبواب، ونبتَ بعضُهم من شقوق الجدران، فيما نما آخرون من أصول الأشجار، أو تعلّقوا تحتَ أغصانها!

حينَ أكتبُ عن الشّخصيّة أتخيلها، أعيشها، أتماهى معها. أدخلُ في أعماقها وألبسُها فتُصبحني. في الواقع هذا ليسَ خيالًا، دعوني أشرحُ الأمر بشكلٍ أبسط، حينَ تماهيتُ مع (إياد أسعد) في رواية (يسمعون حسيسها)، كان السّوط الّذي يهوي على ظهره في الرّواية يهوي على ظهري في الواقع، أعني الواقع الشّعوريّ، فأتألّم وربّما أصرخ من الوجع مثله تمامًا. حينَ أُلقي يوسف عليه السّلام في البِئر في رواية (أنا يوسف)، بدأتُ بالتّخلّي عن الكتابة، ورحتُ أتخّيله عليه السّلام هناك، غُصتُ في المشهد، بقيتُ وقتًا طويلًا أتأمّله، أتخّيل اللّيل الدّامس، وجدران البِئر الرّطبة، والصّخرة الّتي في قاع البِئر، والأفاعي الّتي تسبح في مائها الضّحل.. لم أكنْ أكتبُ آنئذٍ، كنتُ أتركُ نفسي للخَيال، الغوص في خيال الخيال، التّماهي مع صورة ذلك الخيال، الدّخول إلى أفقه الفسيح، فإذا مرّ وقتٌ على ذلك التّأمّل الّذي يستمرّ أحيانًا لساعاتٍ، وشعرتُ بأنّ الشّعور به يتملّكني، عدتُ إلى الكتابة، فكتبتُ بوحي ذلك التّأمّل تلك الحروف، ورسمتُ ذلك المشهد بعباراتي الّتي يُمليها عليّ شُعوري العميق!

موتُ الخيال يعني موتَ الكتابة، وكاتبٌ دون خيال لا يمكن أن يوجد، إنّنا نكتب ما نتخيّله، إنّ هذه المشاهد العظيمة، وتلك الحَيَوات المُدهشة لم تكن لتكون على الورق ولم يكن ليشعر بها الناس لولا هذا الخيال اللاّمحدود. إن الكاتب قادرٌ بالخَيال أن يصنعَ وجودًا داخل الوجود الحقيقي، وجودًا مُوازيًا، إنه إعادة إنتاج العدم، بل هو رسم اللاّمرئيّ ليعود مرئيًّا لكلّ من يقرأ. موتُ الخيال يعني أن تُعيد اجترار الواقع، والواقع يراه كلّ النّاس، هؤلاء النّاس ينتظرون واقعًا جديدًا، مُختلفًا كل الاختلاف عمّا أَلِفوه، وذلك لا يصنعه إلا خَيالُ كاتبٍ مجنون. إن لم تمتلكْ هذا النوع من الخيال فلا تُتعِبْ نفسكَ بالكتابة!!

 

الأردنّ

[email protected]

[email protected]

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X