كتاب الراية

خواطر مسافرة.. في وداع شاعر اليمن وأديبها!

عاش المقالح رحمه الله حياة بسيطة جليسُه كتابُه ورفيقُه قلمُه وكان منزله قِبلةً لكل عمالقة الفكر

الأسبوع الماضي ودّع اليمن والعالم العربي واحدًا من فُرْسَان الأدب وعمالقة الشعر، رجلًا بحجم أمةٍ حمل همومها وبحجم وطن شهد خُطُوبَه وانكساراته وتعاقبت عليه محطات تعافيه ودموية حروبه وأهوال عثراته، يا له من موت حين يخطف قامة أدبية وشعرية وسياسية، أديب اليمن وشاعره الأمجد الدكتور عبدالعزيز المقالح من رسم قصائده رسمًا بريشة لم يجف يراعها بعد، ولم تصل ألوانها مُنتهاها، ويحَ هذا الموت حين يأتي بغتةً وما كنا نَحسبُ أنه يتربص خلف أبوابنا وبالقرب من كل نواميس حياتنا حتى ينقض في غفلة من كهولتنا وأوجاعنا ولهونا العبثي بما حولنا، دون اكتراث بحجم الحزن وفداحة الخسارة.

رحل الدكتور عبدالعزيز المقالح المُناضل الوطني الذي عاش عمرًا مديدًا في زمن الثائرين والأقيال وفرسان الكلام، ترجل الفارس تاركًا لكل الأجيال في اليمن والوطن العربي إرثًا عظيمًا لواحد من أهم الشعراء والأدباء في التاريخ العربي المُعاصر عبر طوافه الإبداعي على كل مدارس الشعر ومنابر الأدب كواحد من أبرز شعراء الحداثة وأساتذتها العظام ممن أعلوا شأن الكلمة في موضع التأثير، وترتيب المعاني حيثما ينبغي لها أن تجعل الجملة الشعرية نابضةً تضج بالبهاء والجمال، ليجعل القصيدة كأنها كائن بدم وروح ومشاعر لا مُتناهية، وتمكنَ المقالح الشاعر الفذ والأديب عميق الرؤية من تحويل النقد الأدبي والشعري منهجًا للتجديد والتنوع والإبداع.

في عصر رواد الشعر والأدب العربي كان المقالح رائدًا مُكتمل النضوج والتميّز ومدرسة إبداعية أنتجت أجيالًا من أدباء وشعراء العصر في اليمن، وألهمت أجيالًا أخرى في العالم العربي من الخليج إلى المُحيط كيف لا؟ والمقالح عاصر الزبيري والبردّوني والفضول، وكوكبة من شعراء وأدباء اليمن ممن رحلوا إلى جوار ربهم وكوكبة من الشعراء والأدباء والمُفكرين الأفذاذ في الوطن العربي منهم البياتي وأبوريشة ونزار قباني ومحمود درويش والجواهري ومحمود العالم وأمل دنقل، وزامَلَ مُفكرين عظامًا منهم أدونيس ومنح الصلح ومحمد بنيس وكمال أبو ديب وحنا مينا، وبول شاوول، ولم يتخلَّ المقالح عن الرابط الوجداني مع العظماء أمثال أبوتمام والمتنبي والبحتري وغيرهم من رواد الأزمنة العربية التي أضاءت الدروب المُظلمة في مشارق ومغارب الأرض، ما جعل من المقالح قامة أدبية وشعرية عربية جمعت بين الأصالة والمُعاصرة، مُجسدًا لأنسنة الانفتاح على كل المدارس الأدبية والشعرية والروائية في الغرب والعالم.

عاش المقالح رحمه الله حياة بسيطة، جليسُه كتابُه ورفيقُه قلمُه، وكان منزله قِبلةً لكل عمالقة الفكر والأدب والشعر في اليمن والعالم، وطيلة حياته الزاخرة بالعشرات من الدواوين والمؤلفات والكتابات والمُدونات، عاش المقالح بهامة مرفوعة بحكم انتمائه الوطني لجيل الثائرين على حكم الاستبداد الكهنوتي في اليمن، ومُشاركًا بالكلمة والقصيدة في اندلاع ثورة سبتمبر عام ١٩٦٢ في شمال اليمن ومُناهضًا للاستعمار البريطاني في جنوبه حتى جلاء المُستعمر في أكتوبر من العام التالي.

وكان المقالح الأديب الثائر والشاعر المُثقف والوطني العروبي المُرتبط بجذور حضارة شعبه ووطنه وأمته مُقارعًا جَسورًا لكل أشكال الاستبداد الفكري والسياسي والديني مُنطلقًا من إيمان راسخ بأن الاستبداد هو بوابة للتطرف والصراع الذي يصعب إغلاقه، وهو عدو لدود لحرية الإبداع، ومنهِك لمعاني القصيدة ومقبرة للتعايش والإبداع والسلام الإنساني.

قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى نعى المقالح نفسه ولم ينتظر أن يُنعى بعد موته فقد وهن عظمه وكبر حزنه لما آلـ إليه وطنه ولعله كان ينعى من رحلوا قبله ومن سيلحقون به في آجال تالية، حيث يقول في مطلع قصيدة نعيه.

أنا هالكٌ حتمًا

فما الداعي إلى تأجيل موتي

جسدي يشيخُ

ومثله لغتي وصوتي

ذهبَ الذين أحبهم

وفقدتُ أسئلتي

ووقتي

أنا سائرٌ وسط القبورِ

أفرُّ من صمتي

لصمتي.

أبكي

فتضحكُ من بكائي

دورُ العبادةِ والملاهي

وأمّدُ كفي للسماء

تقولُ: رفقًا يا إلهي

الخلقُ – كل الخلق –

من بشرٍ، ومن طيرٍ

ومن شجرٍ

تكاثر حزنْهم

واليأسُ يأخذهم – صباحَ مساءَ –

من آهٍ..لآه…..

 

صحافي وكاتب يمني

[email protected]

@fmukaram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X