المنتدى

«مفيد فوزي».. طحن بلا طحين!

الشخصيات العامة ليست من آحاد الناس الذين يسقط الخلاف بوفاتهم

بقلم/ سليم عزوز:

أخيرًا مات الكاتب، الذي لم يكن مُذيعًا بل مُحاورًا، مفيد فوزي (89) عامًا، وقد ترك ضجيجًا، ولم يُمثل قيمةً، أو يترك بصمةً، وكان في كل أحواله ليس أكثر من إنسان يريد أن يلفتَ الانتباه لشخصه ولما يقول، دون أن يكون أكثر من «بالونة» هواء، وطبل أجوف، فذهب الجسد والأثر معًا!

تموت الفنانة سعاد حسني مقتولة، ويدور جدل هل تزوجت من عبد الحليم حافظ أم لا، فيقطع قول كل خطيب، ويجعل نفسه جزءًا من جملة: لقد تزوجها عبد الحليم على سريري، وقتئذ لفت الانتباه إلى أنه بذلك يضع نفسه في موضع حرج، فلا سعاد حسني ولا حليم كان ينقصهما المكان، ليتزوجا على سرير صديق، لكنه في ذكرى مقتلها -ولم يعد الزواج موضوعًا ذا معنى- فإنه يقول جازمًا، إن عبد الحليم حافظ لم يتزوج من سعاد حسني، دون أن يُشيرَ إلى إعلانه السابق!

إنه بهذا أو بذاك، يريد أن يصنعَ لنفسه وجودًا لا أكثر، وأن يكونَ جزءًا من حكاية كبيرة، وهكذا استمر طيلة حياته، مع أنه حصل على فرص لو أُتيحت لغيره، لكنا أمام «هيكل» جديد، أو مصطفى أمين آخر، فقد شغل موقع رئيس تحرير مجلة «صباح الخير» وفتحت أمامه معظم الصحف المصرية للكتابة، وله برنامج تلفزيوني، في وقت كان من يستضاف في التلفزيون، يؤرخ لحياته منذ هذا التاريخ، فلم ينشغل سوى بأن يكون مُتكلفًا، تكلفًا في غير موضعه، وكأنه يتكلم من قولونه!

يقول في تكلف لا لزوم له، إنه ليس مُذيعًا لكنه محاور، وينتظر السؤال ليرد ردًا مُختلفًا، وهو المُحاور فلن تستطيع أن تضبطه مُتلبسًا بحوار خبطة، وإذا أتيحت له هذه الخبطة فليس أكثر من أسئلة مُتصنعة، وكلمات يفصل بينها لهاث وتنهدات، وكأنه يصنع مُفرداته على عينه، فالناس لا يذكرون له سوى طريقة أسئلته والتي صارت بضاعة لأصحاب فقرات التقليد؛ تسمح لي أسألك، وأحاورك، وأحرجك؟ وماذا غير هذا التصنع!

يُحاور مبارك، فلا سؤال يُمثل قيمة، ولا إجابات تُعد سبقًا بلغة الصحافة، ويكتشف هذا فيتمدد وينكمش، ويتودد ويقترب، وتلمع عيناه بحب وحنين، ويطلب من مبارك الأمان، فتظن أنك أمام سؤال مثل سؤاله الذي طرحه على وزير الداخلية اللواء زكي بدر: متى يستقيل زكي بدر؟!

وكان المذكور وزيرًا اشتهر بالتجاوز، وطول اللسان، فإذا به يطيح فيه وفي كاميراته، ويتم إنقاذه من تحت يديه، وإخراجه خارج مكتبه، وبعد قليل يهدأ الوزير، فيطلب من مُساعديه إدخاله إليه، فيظن المُحاور إنه سيعتذر له، فإذا به أمام وصلة اعتداء جديدة، وبعد ذلك بسنوات قال: إن زكي بدر هو أشرف وزير داخلية في تاريخ مصر!

دنا من مبارك، وهو يعيد ويزيد في طلب الأمان، والحقيقة أن مبارك لم يكن مُشجعًا في هذه الزاوية، ففي الحوار المُطول الذي أجراه معه عماد أديب، وعندما وصل عند القَسَم الأول بعد توليه منصب رئيس الجمهورية، يعيد «عماد» الحديث عن القَسَم..

لقد قلت أقسم بالله.. فيكمل مبارك.. أن أحافظ على تراب.. وأرعي مصالح الشعب…

وعندما أقسمت اليمين.. قلت.. فيكمل: أن أحافظ… إلخ!

كان عماد يريد أن يصلَ بمبارك إلى الوجد الصوفي باستشعار قيمة القَسَم، وكلماته، ومُفرداته، وما يُمثله له من معنى، لكن مبارك كان يعتقد أن المُحاور يختبر قدرته على «تسميع القسم» وحفظه له!

وعندما أعاد مفيد فوزي وزاد في طلبه للأمان، بدا مبارك ضجرًا وهو يقول له: قل يا مفيد وخلصنا! ليسأله مفيد وقد ازداد تفتتًا:

 حضرتك هل تلاعب حفيدك؟!

تمامًا كما حدث في الدعاية لأغنية «من غير ليه» التي تبين أنها أغنية قديمة، نسوها في العلب، فتقرر إخراجها بزفة، قام بها باقتدار مفيد فوزي، وبعد حوار مع الفنان محمد عبد الوهاب أطلق سؤاله الذي هو عبارة عن صاروخ أرض جو، بعد أن دنا وتفتت، وتمثل صاروخه في الطلب من عبد الوهاب أن يخلع نظارته، ليرى الناس عينيه، لكن موسيقار الأجيال رفض الطلب!

وقد يأسف البعض لأن أكتب ما سبق الآن، والموت يفرض حديثًا آخر، لكن عذري أن مفيد فوزي نفسه رسم الطريق للتعامل مع المُختلفين بعد وفاتهم، عندما قال إن يوم وفاة الشيخ الشعراوي كان أسعد يوم في حياته!

وما أراه هنا إلا في محاولة لإثبات الوجود، ولإحداث صدمة لدى الرأي العام، بأن يكونَ جزءًا من سياق خاص برجل أحبه الناس، وملأت سيرته الآفاق، فماذا في موت الشيخ الشعراوي يسعده؟!

لقد عاش الشعراوي تسعين عامًا، كان داعية، وشغل موقع الوزير، ونجمًا تلفزيونيًا أتيح له الظهور التلفزيوني بشكل لم يسبقه إليه أحد من قبل ومن بعد، وهو إن كان مات فبعد أن شبع من الدنيا ومن خيراتها ومن الحضور فيها، وترك تراثًا، وصنع أثرًا، وكان رمزًا يُشار له بالبنان.

ولهذا فإني أعتبر إعلان البعض سعادتهم في وفاة مفيد فوزي، أنهم يقولون أي كلام مثله، وماذا في وفاته يدعو للشماتة، وقد عاش حياته كلها «في الصورة»، وحياة بعض من شمتوا فيه هي التي تستحق الشماتة وليس الوفاة.

وبهذه المُناسبة، فإن التوضيح مهم بين الشماتة، وبين التذكير بعدم ذكر الإنسان بسوء أعماله بعد وفاته، على قاعدة اذكروا محاسن موتاكم، فالشخصيات العامة ليست من آحاد الناس الذين يسقط الخلاف بوفاتهم، لأنه إذا سرى التكتم على من ارتبطوا بالسياسة والحياة، لما كتب التاريخ!

لقد ترك الشعراوي أثرًا، ولم يترك مفيد فوزي إلا جعجعة فارغة!

كاتب وصحفي مصري

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X