كتاب الراية

تأملات عابرة ….أشجار الخريف

كنتُ دائمًا وسطيًا لا أحبّ الاختيارات وأبتسمُ بحزنٍ في كلّ المواقف

أخافُ أن تفقدَ انجذابكَ إليَّ، وأن يٕختفِي انبهاركَ الأوّل وينقُص شَغَفُكَ الشّديدُ بي، أخافُ أن أنطَفِئ في عينكَ كشمعةٍ صغيرةٍ بعد اختراعِ الكهرباءِ، مركونةٍ ومنسيّة، أخافُ ألا أشاهدَ بريقَ عينيكَ وهي تبتسمُ وأنتَ تنظُر إليّ، ألاّ تنتظرَ اتّصالي بفارغِ الصبّر، ألاّ تتلقّى رسائلِي كمنْ يستقبلُ الرّبيعَ والفراشاتِ.

أخافُ، أخافُ أن أُصبحَ عاديًا، أن أصبحَ مُكالمةً فائتة، رسالةً معلّقة، مجرّد وجهٍ آخر مرّ من حولكَ.. أخافُ لأنّك إذا وصلتَ لتلك المرحلةٍ.. فلن تجدَنِي، أنا أرحلُ دائمًا منذُ الإشارات الأولى.

لا أحمّلُ نَفسي عناءَ الاحتفاظ بشيءٍ باهتٍ، إنّني لا أحملُ إلاّ الأشياء المملوءة بالشّغفِ مِثلي، المملوءة بالحبّ والطاقة والأمل، إنّنا لا نُزهر إلا في البيئة المُناسبة وقرب الأشخاص المناسبين.

أنا خريفيّ الشّعور، رماديّ اللّون، لا أنتقي من الألوان إلاّ الغامِق منها لأنّها تُعطيني شعورًا حقيقيًا بظلّ كلّ الأشياء داخلي.

لا الأبيض يُمثّلني فلستُ ملاكًا طاهرًا، ولا الأسود يليقُ بي، إنّني بين كلّ الموجوداتِ آخذ أشلاءَ ما تبقّى من الصّيف من دفءٍ، والشّتاء من وحدةٍ، لأستقبل الخريف فاتحًا ذراعيَّ بنصفِ ابتسامةٍ ويدٍ تُصافحُ كوبًا دافئًا من القهوة بينما آخذ ركنًا قرب النّافذة لأراقب كلّ الأوراق المُتساقطة من الأشجار الحزينة.

آه.. كم تذكّرني أشجار الخريف بي، ألستُ شجرةً أيضًا ! ألا يعرّيني الخريف من كلّ الألوان؟ التعرية ! سعادةٌ هي أم موقفٌ حزينٌ، ؟! لا أعرف.

كنتُ دائمًا وسطيًا، لا أحبّ الاختيارات، وأبتسمُ بحزنٍ في كلّ المواقف، أسخر باحترام شديد، أملأ نصف الكوب بالقهوة والنصف الآخر بي، أرفض الصيّف الحارّ ورائحة العرق، وأرفض بلل الشّتاء وبقايا الوحل على الأقدام، أنا خريفيّ الشّعور، لا يليق بي إلا الوسط، كبرد الخريف ولون أوراقه الجافة والرّمادي حين يملأ الأعين، أكره كلّ الثّنائيات في العالم، الأبيض والأسود، الخير والشرّ، الليل والنهار..، اليأس والأمل، النجاح والفشل.. أنا لا نهائيّ الاختيارات، معجزة الكون، شيء من كلّ شيءٍ، وقليل من كلّ كثير، أرفض كلّ القوالبِ، إلاّ كوب قهوتي والخريف والرّمادي حين يَنعكس على ملامحي..

كيف ستواجهني بعيوبي وأنا أحبّ عيوبي أكثر منكَ ! إنّ الإنسان الذّي لا يتقبّل سيئاته ويدركها، ستهزمه أيّ مواجهة.. أمّا أنا فمُتصالح مع نفسي، أتقبّل هذا الوجه الذّي أنظر إليه في المرآة كلّ صباح، لذلك لا شيء يهزّني، ولا شيء يهزمني.

لمْ تكن تُشبهِنِي،

حدَّ الجنون،

حسنًا، لم تكن تُشبهنِي، حدّ الجنون..

صدفة شبهُ مستحيلةٍ جمعتنَا عَلى رصيفِ شبهِ الممكنِ،

لم تكن تُشبهِني،

لا طيبتَك كطيبتِي،

ولا اللّين في قسوتِي كقسوةِ لينكَ.

ولا الاهتمامُ في قلبِي كنصفِ حضوركَ…

وشبه الغيابِ…

لم تكن تشبهنِي،

كالطفلِ أشاركُ أشيائِي بعفوية،

أتحدّثُ بصخب

أبتسمُ دون خجل،

أرتشفُ الصمتَ من شفاهكَ وأحكِي

كاللّصِ تأخذُ أشيائي والحديثَ وقلبي وأبكِي..

لم تكن تشبهنِي،

كنتَ أصغرَ من أن تحتوِي

أكبرَ الأحلامِ داخِلِي

كنتَ أجبنَ من أن تصدّقَ

أنّ السّماء ملكِي..

لم تكن تُشبهني..

كنتُ أجيد الطّيران، وكنتَ تحبّ السّير في الشوارع المُزدحمةٍ.

يُبالغُ في الهُدوء احترامًا للضّجيجٍ بداخِله، يستمرّ بثباتٍ، ويُخفي يده المُرتعشة تحتَ الطّاولة، في اللّيالي الباردة، يتركُ نافذةَ الغرفة مفتوحةً، لعلّ الأصوات تخرجُ من عقلهِ وتدخلُ من النّافذة إحدى الأمنيات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X