كتاب الراية

بيني وبينك.. انفصام الشخصية عند الكاتب (2-2)

معضلة الكاتب الكبرى الانتقال من شخصية لأخرى ومن ثم الخروج من تلك الشخصيات

المُشكلة في بعضِ الشّخصيّات لم يكن الألم النّاتج عن التّماهي معها، خاصّة شخصيّات السّجون في روايات السّجون، وشخصّيات الثّورة في رواياتي الأخرى، فالألم كان يُمكن احتِماله، أو تخطّيه بعدَ فترة، المُعضلة الكُبرى كانتْ في أمرين: الأوّل الانِتقال من شخصيّة إلى أخرى في الرّواية نفسِها؛ إذْ يتّفق أنْ يكونَ في شخصيّات الرّواية الواحدة النّبيّ، واللّصّ، والتّاجر، والطّفل البريء، والفتى الظّلوم، والأخ الغَشوم، والمرأة العاشقة، والمرأة الغانية، والسّلطان المُعتدّ بسلطانه، والأمير المُتجبّر، والكاهن الكاذب، و… وهذه الّتي ذكرتُها هي كلّها على سبيل المثال شخصّيات رواية (أنا يُوسف)، وحتّى يعيش معي القارئ الشّخصيّة كان لا بُدّ لي أنْ أعيشَها أنا قبلَه وأن أَكُونَها وأدخل في أغوارِها وأطوارها، وعليه كنتُ أنا في هذه الرّواية هذه الشّخصيّات كلّها دون استِثناء، وهذا ما سيُصيب كلّ كاتبٍ يتماهَى مع شَخصيّاته. الأمر الثّاني: كان في البحثِ عن سبيلٍ للخروج من هذه الشّخصيّات الّتي استحوذتْ عليّ بعدَ الانتِهاء من الرّواية. لقد وقعتُ في حَيْرةٍ من أمري بالفعل، هل أنا نظيفٌ من الدّاخل من أجل أنْ أبدأ بشخصيّات روايةٍ جديدةٍ أَهُمّ بكتابتها؟ أم أنّ عوالقَ شخصيّاتِ الرّواية السّابقة ما زالتْ تعيشُ فِيّ؟ لم يكنْ لديّ جوابٌ بالطّبع، هذه الحَيْرة قادتْني إلى أنْ أستشيرَ طبيبًا نفسيًّا. توجّهتُ إلى أحدِ هؤلاء الأطبّاء النّفسيّين المعروفين، ما جعلني أختار الحديثَ إليه عن سِواه أنّه قارئٌ جيّد للأدب، إضافةً إلى أنّني فكّرتُ أنّه يُمكن أنْ يعرفَ ما تجرّه الكتابة الإبداعيّة من ويلاتٍ نفسيّةٍ على أصحابها.

شرحتُ له أنّني كنتُ اللّصّ والنّبيّ في رواية (أنا يوسف)، وكنتُ القاتل والقتيل في رواية (كلمة الله)، وكنتُ الظّالم والمظلوم في رواية (نفر من الجنّ)، وكنتُ (الثّائر والخائن) في رواية (حديث الجنود)… فهل أنا مريضٌ بانفِصام الشّخصيّة؟ وهل ما يعلقُ بي منها أثناء الكتابة سيستمرّ معي بعدها أم ينتهي بانتهاء النّصّ؛ فبعضُ النّصوص تبدو لا نهائيّة؟! كان جوابُه بسؤال: «هل تدخل إليها بوعي؟». أجبتُه: «نعم». فردّ: «كلّ شخصيّاتكَ إذًا من صُنعِك، وكما تصنعها بوعي، يُمكنك أنْ تخرج منها بوعي، إنّ الكاتب الّذي يعرف الطّرق والزواريب المُؤدّية إلى بيوت شخصيّاته وحواريها، بالضّرورة يعرفُ كيفَ يعود منها، ويعرفُ كيفَ يرجع، وكيفَ يفتح الأبواب الّتي أغلقها على نفسِه في تلك الغُرَف؛ لأنّه هو الّذي رَسَم تلك الطّرق ولم تُرسَم له، وهو الّذي أغلقَ تلك الأبواب بيده ولم تُغلَق في وجهه. بقي الشّقّ الثّاني من سؤالك وهو فكرة النّظافة من الشّخصيّات القديمة للاستِعداد للشّخصيّات الجديدة؛ دعْني أُصارِحْك: إنّ هذا غيرُ ممكن، لا يُمكن أنْ تتخلّصَ من شخصيّاتكَ القديمة تمامًا، أنتَ كأيمن العتوم، كإنسانٍ، لستَ أنت، أنتَ جزءٌ من شخصيّاتٍ كثيرةٍ أثّرتْ فيكَ وصنعتْكَ؛ سواءً أكانتْ حقيقيّة التقيتَها في البيت أو الشّارع، أو وهميّة التقيتَها في بطون الكتب. لكنْ هناك وسيلة لخِداع الشّخصيّات القديمة ربّما بإنامتها وليسَ بإماتتها، فإماتتُها في حالة الكُتّاب يبدو أمرًا مُستحيلًا. هناك أيضًا بعضُ التّخدير لها، أو بعضَ الأمونيوم الّذي يُمكن أنْ تجلعها تستنشقه من أجل أنْ تصرفها عن التّحديق فيك، يُمكنك أنْ تصعدَ إلى أعلى جبلٍ، قريتك تتيحُ لك ذلك، أنْ تجلسَ ساعات هدوء تنظر في الفراغ، لتُسقِط فيه عوالق شخصيّاتك القديمة أو بعضِها. سكتَ لفترةٍ قبل أنْ أسأله: «أهذا كلّ شيء؟» ردّ: «نعم، هذا كلّ شيء». «في فمي ماء يا دكتور؟». «أنتَ في فمك مُحيط؛ لا أستطيع المُساعدة أكثر من ذلك!».

 

الأردنّ

 

 

AymanOtoom@

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X