المنتدى

دار الساقي.. هل نقول وداعًا؟!

نتمنى أن يكون الإغلاق جزئيًا ولفترة قصيرة لالتقاط الأنفاس

بقلم/ سليم عزوز:

كلما هممت بإنجاز كتابي المتعثر «عام في القصر» كانت «دار الساقي» في لندن من الدور التي أتمنى أن يصدر منها، نظرًا لكونها واحدة من أهم دور النشر العربية، رغم البيروقراطية التي حالت دون إصدارها الرواية التي ذاع صيتها بعد صدورها «عمارة يعقوبيان» مما اضطر مؤلفها لأن يطبعها على حسابه في بادئ الأمر، قبل أن تفوز بها «دار الشروق» !

فقد تولى الراحل خالد السرجاني، وبلال فضل، إرسالها ل «دار الساقي» وفي ندوته الأسبوعية كانا يتوليان طمأنة فؤاد مؤلفها د. علاء الأسواني، بأن المسألة ليست أكثر من مسألة وقت وتخرج للأسواق، ويبدو أنه مل من هذا التسويف، فصدرت الرواية في البداية، عبر إحدى دور النشر الصغيرة، التي يتولى المؤلف دفع قيمة الطباعة مقابل حصوله على عدد من النسخ المجانية، ولا يزيد المطبوع عن خمسمائة نسخة، وهو ما حدث لهذه الرواية قبل أن تنطلق كالصاروخ، وتتحول بعد ذلك إلى فيلم، حيث دفع فيها وحيد حامد مبلغًا متواضعًا، كان المؤلف فيه من الزاهدين!

وقد كانت «الشروق» هي البديل الذي لا يقل أهمية عن «دار الساقي» ، من حيث حضورها الدائم في المعارض الدولية، وعناوينها المهمة، وإن كانت مرت بفترة قصيرة من النشر لكتب مكانها دور النشر الصغيرة في «بير السلم» ، فيما سمي بكتابات الشباب، تماشيًا مع موضة قصير العمر، قصر موضة كتابة المدونات، التي كانت محاولة للخروج على قواعد الكتابة وأصولها، باحتواء شباب يتعلم القراءة ويتعثر في الكتابة، لكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح، وصارت زوايا المدونات، في المواقع والصحف، هي لنشر المقالات، لا مدونات، وبما لا شأن له بفكرة التدوين، والتي لم تكن اختراعًا، فيوميات كثير من الصحف كانت على هذا المنوال، الفارق هنا أن من يكتبها هم كتاب محترفون، وليسوا غلمانًا متطفلين على حرفة الكتابة!

بيد أن «دار الشروق» توقفت عن نشر هذا التهريج، الذي قيل إن السبب فيه إنما يرجع لتولي مهمة النشر فيها نجل الكاتب المعروف محمد سلماوي، وعادت من جديد لتنشر الرصانة، لكن على المستوى الشخصي لا يمكن ل «دار الشروق» أن تكون بديلًا ل «دار الساقي» وهي التي حملت على أن تضع مؤلفات لكتاب ومفكرين في المخازن، وكما قال لي أحد أصحاب دور النشر الصغيرة وأنا أعرض عليه دراسة لي بعيدة عن السياسة تمامًا، لو نشرنا لك «ريان يا فجل» فسوف تغلق الدار!

«الشروق» تنافس كبريات دور النشر، ليس فقط في الحضور، ولكن أيضًا في جودة الطباعة، والاهتمام بإخراج الكتاب وتصميمه، ربما لأن مؤسسها انتقل بها إلى بيروت في العهد الناصري وقت أن كانت عاصمة الطباعة العربية!

بيد أن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، فها هي الأخبار المتواترة عن إغلاق «دار الساقي» بعد (44) عامًا من نشأتها، وإن كانت الأخبار متضاربة فلا نعرف هل الإغلاق للدار أم لمكتبتها التي وصفتها «بي بي سي» بأنها الأكبر في أوروبا؟

خبر سيئ أن يكون الإغلاق جزئيًا، للمكتبة وليس للدار نفسها، وخبر أسوأ لو كان الإغلاق للدار بشكل عام، وبعض الأخبار المنشورة تقول إن أصحاب الدار سيقومون بافتتاح مكتبة جديدة في غرب لندن، وبعضها يتحدث عن استمرار الدار بدون مكتبة، وفي جميع الأحوال فستكون قد ضيقت النشاط على نحو لا يجعل النشر فيها حلمًا لأي مؤلف كما كان الحال من قبل!

ولعله الإغلاق الأول «للمطبوع» لا يتم تحميله على أننا في زمن الإنترنت، وهي الشماعة التي يتم تعليق الفشل عليها، فالمطبوع، كتابًا وصحيفة، عادت أيامها في بلاد الإنترنت، في الغرب ذاته، عندما نطالع قراءة أعداد التوزيع لكتب بعينها، على نحو كاشف بأن قارئ العصر لم يقطع صلته بالمطبوع بالشكل الذي يثار في مجتمعاتنا وبشكل يعفي الفاشل من الحساب على فشله، وعندما أغلقت صحيفة عربية مهمة أبوابها وتوقفت عن الصدور، كان القول بسبب الأزمة المالية، ولأن الأجيال الجديدة في قطيعة مع ثقافة الورق، وكان يمكن الرد ولماذا لم تستبدل الصحيفة الفشل الورقي بالتفوق عبر الإنترنت؟!

المسكوت عنه، أن هذه الصحيفة كانت تُموَّل من قبل نظام عربي بعينه، فلما انتهى هذا النظام انتهت هي، وهي أزمة وسائل الإعلام التي تعتمد على التمويل الخارجي فلا تهتم بإنشاء مشروعات وقف مثلًا، للإنفاق على نفسها عندما يتوقف التمويل، لأن الفائض لا يذهب لميزانية الوسيلة الإعلامية، وإنما للقائم عليها، وبالتوقف يكون الشعار: نفسي.. نفسي!

مالكة «دار الساقي» أرجعت أزمة الدار إلى الأزمة الاقتصادية العالمية، وإلى عملية الإغلاق التي صاحبت كورونا، وتوقف عملية التوريد، فضلًا عن زيادة رسوم الشحن. وفي مصر يشكو الناشرون من ارتفاع أسعار الورق بشكل جنوني، ولا أعرف لماذا لا تتوقف الدول المختلفة عن فرض رسوم وضرائب على عملية استيراد الورق وأجهزة الطباعة ومستلزماتها، ولماذا لم يكن هذا مطلبًا لعموم المثقفين والناشرين وأصحاب الصحف في أي مرحلة من المراحل؟!

عمومًا، نتمنى أن يكون الإغلاق جزئيًا ولفترة قصيرة لالتقاط الأنفاس، تسترد بعدها «دار الساقي» عافيتَها، وتعود من جديد أيقونة النشر العربي، وصاحبة أكبر مكتبة عربية في أوروبا، وقد مرت بتحديات طويلة في تاريخها، ومن الحصار البحري في بيروت وقصف أحد المستودعات، إلى تحطيم نوافذها بعد قضية سلمان رشدي، وأثناء الحرب على العراق.

فياما دقت على الرأس طبول.

كاتب وصحفي مصري

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X