كتاب الراية

نبضات.. رحل النهار (1)

المسرحيون الخليجيون باجتهادهم حققوا تطلعاتهم

خليجيًّا قد نكونُ قد تأخَّرنا عن الركب فيما يخصُّ المسرحَ، مع أسبقية الكويت والبحرين عبر الأنشطة في المدارس الأهلية، وبعض هواة المسرح. لكن فيما بعد حقق المسرح في قطر ودولة الإمارات وسلطنة عُمان ما كان يصبو إليه. نعم إذا كانت دولة الكويت قدمت العديد من النماذج في كافة عناصر العرض المسرحي، بدءًا بالنص، وكان الفارس الأبرز الأستاذ عبد العزيز السريع، إلى جانب عددٍ آخر من الكُتَّاب، فلا يمكننا أن ننسى الدور البارز للمرحومَين صقر الرشود وفؤاد الشطى، بجانب نجوم اللعبة من الجنسين، وكذلك اجتهادات محمد عواد وإبراهيم علوم وغيرهما في البحرين. واجتهادات المُبدعين في قطر بدءًا من النوخذة عبد الرحمن المناعي، وحمد الرميحي، وغانم السليطي، وناصر عبد الرضا، كما برز في السلطنة اسمُ عبد الكريم جواد على سبيل المثال لا الحصر.

وفي دولة الإمارات يقتحمُ الساحة لتأكيد الذات واحد من أهم الأسماء بدءًا باعتلاء الخشبة، ثم رافد من أهم الروافد في تغذية ذاكرة المسرح، ليس في دولته. لكن نتاجه يُعد مثار إعجاب المُخرجين في إطار منظومة دول مجلس التعاون، حيث قدم له كل من المُخرجين عبد الله العابر من الكويت، وناصر عبد الرضا من قطر نص «البوشيه» بجانب «مجاريح» من إخراج ناصر عبد الرضا أيضًا، وعبر سنوات عطائه منح المسرح الخليجي بُعدًا آخر، وأصبح اسم هذا المسرحي مصحوبًا بالنجاح. في تاريخ المسرح العربي، وفي الوقت الذي نقف فيه أمام العديد من الأسماء ممن ساهموا في دفع عجلة المسرح العربي بخطوات هامة نجد أن الكاتب الإماراتي إسماعيل عبد الله ما زال يُقدم خلاصة فكره للخشبة وأعماله تتوالى والتي من ضمنها: «مولاي يا مولاي»، «لا تقصص رؤياك»، «سيمفونية الموت والحياة»، «خلطة ورطة»، «البوشيه»، «مجاريح»، وأخيرًا «رحل النهار». وفي هذا النص الأخير يؤكد الكاتب أن الدراما التلفزيونية لم تسرقه من عشقه الأزلي منذ أن ارتمى في حضن المسرح.. لماذا؟

هذا السؤال الاستفزازي مرجعه أن إسماعيل عبد الله صاحب مشروع، ولذا فهو عبر نتاجه الثري، يعود إلى الواقع المعاش بعد أن نبش الماضي وعرّى جزءًا من وقائع الماضي عبر رائعتيه «البوشيه ومجاريح»، واعتمد على أفكار الآخرين في إطار بحثه الدؤوب عن التجديد والتطوير عبر نتاج الكتّاب الآخرين وبطعم ورائحة واقعنا المعاش.

لا يهم إن كان روسيًا أم تركيًا، فهو في كل مسرحية يسابق الزمن حتى أصبح اسمه علامةً فارقةً لمسرح عربي يتنفس حرية كانت في أحايين كثيرة مُغلفة بالخوف من الرقابة.. رقابة المُبدع ورقابة السلطة، كل هذا لأنه وجد الواقع الداعم لمسيرة المسرح، ولنموذج عشقه وغرسه في ذاكرة جل المُبدعين من أبناء وطنه، فانطلق إسماعيل ورفقاء الدرب، أحمد الجسمي، محمد العامري، حسن رجب، مرعي الحليان وغيرهم. هذا الانطلاق من قِبل فرسان الشارقة، خلق حالة مسرحية عربية، وعبر سنوات قصار تلاشت تلك المقارنات بين مسرحنا الوليد خليجيًا والمسرح العربي أو الآخر، فالأمر مُرتبط بالعطاء.

الكاتب إسماعيل عبد الله صاحب مشروع خاص، مُرتبط بفكره وثقافته، فكان هذا الارتماء في أحضان المسرح، لأنه بمقدوره أن يعبرَ بأعلى صوته ويجيب عن تلك الأسئلة الوجودية «لماذا وكيف؟» أو كما أسلفت فسلاحه الكلمة وهذه الشخوص التي تحمل أحلامه، ويتحرك فوق خشبة المسرح، لا يهم من يُحرّكهم سواء حسن رجب أو محمد العامري أو غيرهما، فهو خلق وشائج مع رفقاء الدرب يذكرنا بما كان بين «تشيخوف وستانسلافسكي». كما قرأنا أو الماغوط ودريد أو عبد العزيز السريع وصقر الرشود أو ذات يوم بين محمد صبحي ولينين الرملي.. إلخ.

إسماعيل عبد الله لا يكتب بحثًا عن جائزة أو استعراضًا للعضلات، لكن عبر لغة شاعرية يصبغ حوار شخصياته، وعبر تجاربه وعبوره في رحلة الحياة يستحضر هذه النماذج التي تحمل أفكاره وأحلامه بغدٍ أكثر إشراقًا.

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X