كتاب الراية

تأملات عابرة.. امرأة استثنائية

أعجز عن ترجمة شعور أو فكرة تمامًا كالصورة التِي أراها داخلي

كيفَ تصدِّقين أنّه يحبُّك، وأنتِ شخصٌ ثانويٌّ في حياته، بل أحيانًا تكونين أسفل القائمة وحيدةً ملقاةً على الهوامش، يراسلكِ ليلًا مثل عشرات الفتيات الأخريات، يحادثهنَّ بلطفٍ ولينٍ، بينما يكتفي معكِ بإجابات مختصرة وباردةٍ، يمازحهن جميعًا في التعليقات، لا يحترم وجود امرأةٍ تحبّه، أو غيرتها المشتعلة، أو قلقها المزمن، دون مراعاةٍ، يتفاعل معهنّ، يلاطفهنّ، يظهر بوجهٍ بشوشٍ أمامهنّ بينما الوجه المنزعج من نصيبكِ أنتِ، كلّما حادثته إلا وردّ متأفّفًا كأنّه إنسان آخر غير ما ترينه مع بقيّة النّاس، كيف تتقبّلينه كحبٍّ؟ وهو دائمًا ما يتعذّر بالعمل أو الدراسة، دائمًا مشغول البال، لكنّه يجد وقتًا للأصدقاء والمقاهي والسهر، بل يجد وقتًا لكلّ شيء إلا أنتِ، لا يزاحم يومكِ باتّصال قصير أو رسالةٍ مفاجئة، لا يشاركك تفاصيل يومكِ الطّويل، لا يستثنيكِ بعبارات جميلة، أو مواقف رائعة، أو يقدّم إليك مثلما يقدّم إليهنّ جميعًا، لستِ شيئًا ثمينًا، لستِ مميّزةً، لا يخوض معكِ حوارات عميقة، سطحيّ الحديث منغلق، يتفتّح كزهرةٍ ربيعيّة مع أيّ امرأة أخرى، رجلٌ كهذا متاح للجميع، كيف ستحتفظين به، وكم عذرًا ستجدين له؟، إنّك استثناء، فلا تستثني من لا يستثنيكِ، ولا تعطي اهتمامًا لمن لا يعطيك حجمكِ، إنّك كلّ العالم، لا يليق بك رجل متاح لكلّ النّساء لا يكتفي بكِ عالمًا له.

– لو أراد اللّه لكَ شيئًا بعد عشرينَ سنة من الآن، لَسخّر كلّ الأسباب متتابعةً منذُ هذه اللّحظة، فكان تأخّرُ الحافلة هذا الصباحُ سببًا، ورحيلُ إنسانٍ لم تُرده أن يرحلَ سببًا، وتوصدُ أبوابٌ أردتَ الدّخول منهَا لأنّ اللّه لم يرد لك ذلك الباب، سببًا، وقد تفشلُ في شيءٍ تعلّقت روحكَ فيهِ وتنجح في آخر لا توليه اهتمامًا.

– بتّ أؤمنُ يا صديقي وأتقبّل بهدوءٍ تامٍ بأنْ تجتمع كلّ الأسبابِ لتحقّق غايةً لم ينتظرها الإنسانُ، حدثٌ وراءَ الآخر، مجموعةُ تفاصيلٍ مترابطة قد تبدو كالفوضى، وقد نظنّها لعنة لكنّها تدبيرٌ من اللّه، لأنّه وحده من يرَى الصورةَ الكبرى، من يرى الأمل في أظلمِ الطُّرقِ.

أعجز .. أحيانًا عن تركيب جُملةٍ واحدة، أعجز عن ترجمة شعورٍ أو فكرةٍ تمامًا كالصورة التّي أراها داخلي، كنتُ أحبّ دائمًا أن تشبهني الجُمل، لا أكتب نصوصًا غريبة عنّي أبدًا..

أعجز أحيانًا عن اختيار الكلماتِ المناسبة، أعصِر هذا العقل المليء بالأفكار المتداخلة ولكنّني أعجز عن مسك فكرة واحدة..

أحيانًا تخرج الكلمات متقاطعة، مشتّتةً، ضائعة بين السّطور، تخرجُ دون إذن معلنةً عن انفلاتٍ، عن انفجارٍ، عن تحمّل فات حدّه..

وأحيانًا تنسابُ الكلمات كمعزوفةٍ هادئة، كمعجزةٍ سماويّة، كلوحةٍ جميلةٍ على جدار متحف اللّوفر، يمرّ من أمامها النّاس، فتستوقفهم، يفكّرون، يتأمّلون، يشعرون للحظة أنّها تناديهم..

وبين العاصفة التّي تنفلتُ منّي، وبين الأفكار التّي أرتّبها، يوجد إنسان واحدٌ، تُحمّله الأفكار ما لا طاقة له به فينفجرُ كفوضى عارمة بكلمات غير متناسقة، بلا معنى، بلا صورةٍ، بلا وضوحٍ، ينفجر بشدّةٍ .. حتّى يهدأ، فتخرج من بعدها الجُمل والكلمات منسابةً، تخرج الموسيقى والفنّ، الصور واللّوحات، وبين هذا وذاك، بين الفوضى الأولى والهدوء الأخير، يوجد إنسان واحدٌ، امتلأ بالتّراكمات حتّى انفجر وأحدث ضجيجًا عاليًا… ثمّ هدأ …هدأ إلى الأبد …

00:00 منتصف اللّيل

شخصٌ من بينِ الذّين أحببتهم أكثرَ ممّا ينبغِي، تباهيتُ بهِ أمامَ العالمِ واحتميتُ أيّامًا وراءَ كتفهِ، شخصٌ من بينِ الذّين أحببتهم أكثرَ ممّا ينبغِي، كان الخيبة التّي قصمت ظهرِي، وجاءت منه الضربة الأقرب إلى قلبِي، شخصٌ أقنعنِي لأوّل مرّة أن توأمَ الروحِ ليست عبارة واحدة كما تخيّلتُ دائمًا.. يمكن أن يبقى أحدهمَا توأمًا والآخر يُصبح روحًا ضائعة .. شخصٌ من بينِ الذّين أحببتهم أكثرَ ممّا ينبغِي ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X