كتاب الراية

خواطر الفكر.. فكر الأمة (12) «تقييم ضوابط الحضارة الغربية»

(ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)

لطالما احتاجَ الإنسانُ إلى الضوابط والقيم ليستنير بها في مسيرة حياته لتحصيل خيره وإصلاح شأن نفسه وبها يتشارك مسيرة العطاء مع الآخرين، وإن وضوح تلك الضوابط واتفاق الناس عليها أدعى لاجتماع الهمم وزيادة أواصر التآلف والانسجام في الأمم.

وعليه فإن معرفة ضوابط الحياة الإنسانية وقيمها التي نحفظ بها الحقوق وتسمو بها النفوس وتلبي متطلباتنا الوجدانية والمعرفية واحتياجات نفوسنا ورغباتها تأتي في أعلى الهرم المعرفي، إذ الغاية منها هي زيادة الفاعلية وإفراغ الجهود في مكانها الصحيح، وتتمايز الأمم بمقدار التوازن في ضوابطها ومعرفة حدودها والتي يمكن إيجازها بنصيحة سلمان الفارسي -رضي الله عنه- بما تشربته نفسه من الهدي الرباني «إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ»، والفيصل هو مرجعيتها ومدى الالتزام بها والتي تتكشف عند الشدائد وعند التنافس على خير الدنيا وعند الاختلاف».

وعرفنا في الحياة ضوابط ومعايير ثلاثة فأعلاها الهدي الرباني، ففيه الغاية ومعالم الضوابط الإنسانية العامة، وهو المرجعية الأولى، وضابط الفطرة الإنسانية وقيمها المعرفية والوجدانية التي تعطي الألفة والتعارف الإنساني لحمته، وضابط الأمة بأعرافها وقوانينها الذي ينسق الجهود والفاعليات ويوازن الضوابط ويزيد من التكاتف للوصول إلى الغاية المنشودة.

وعليه فإنَّ ضوابط الحضارة الغربية بعد مسيرة حافلة بالأحداث الجسام قد استقرت على تنحية الضابط الرباني في هدي حياتها والتزمت بتلبية المطالب الإنسانية والتي كان منطلق فكرها عليه وطورت ضوابط الأمة «الدولة» لتحصيل خيرها فأطلقت الحريات التي تراها أساسَ الفاعلية وصانت الحقوق فكان نجاحها الأكبر في تأصيل أنظمة العطاء وتطويرها على كافة المستويات والتي أثرت الفاعلية الإنسانية إلا أنها بتنحيتها الضابط الرباني قد ألقت بنفسها إلى الفراغ فكان إخفاقها الأكبر في تحديد مرجعية الضابط الناظم لفكرها فأصبحت تحت رحمة ما استهوته نفوسها وعقولها من النظريات البشرية لتبرير ما تراه والذي لا يصلح أن يكون معيارًا ناظمًا للجميع لاختلاف الأطروحات وتعدد الرؤى، ففقدت التوازن المطلوب لقيمها وأصبحت عرضة لمزالق خطيرة، فبديهية وجود الله أصبحت مثارًا للشك لديها لجهلها سننه، وكذلك الاستهتار بالحياة البشرية في صراعاتها عقب تبنيها نظرية التطور والبقاء للأصلح والتي تعتبر حاليًا النظرية الأساسية في فكرها وكانت السبب في إذكاء الحروب وأفرزت العنصرية درجةَ أن رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل برر إبادة الهنود الحمر واحتلال فلسطين وتشريد شعبها باعتباره أمرًا طبيعيًا كون العِرق الأقوى والأعلى مكانة له الحق في تحديد مصير المواجهة بين الطرفَين؟! والذي يسترعي الانتباهَ أنَّ هؤلاء كلما تقدمت بها السنون تناسوا معالم الضوابط الربانية وزاد بعدهم عن متطلبات فطرتهم الإنسانية فكثرت مشاكلهم وتشتتهم الفكري، فرأينا منهم إقرارهم الحرية الجنسية والتي ساهمت بالفوضى وتفكك الأسر وزادت من معدلات الإجهاض نتيجة للعلاقات غير المسؤولة، وكذلك السماح بتشريعات دور البغاء، وآخر مستجداتهم تلك اللوثة الفكرية «نظرية الجندر» والتي أكدت على الاضطراب العجيب في بديهياتهم البشرية حد السماح للطفل الصغير باتخاذ القرار بتحديد هُويته الجنسية؟! كل هذا ما هو إلا ضياع للفكر الإنساني.

ولك أن تقارن أثر الهدي الرباني على الفطرة الإنسانية فجعلها في أعلى مراتب العطاء والإحسان مع أثر نظرية التطور تلك، حين مرت خير أمة بأصعب ظرف لها حين وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وانقضاض معظم قبائل الجزيرة العربية عليهم ونقضهم عهودهم ومواثيقهم، فجعلوا التزامهم بهدي دين الله ضابطًا لفكرهم وتصرفاتهم (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا)، فكانت وصية الصديق لجيش أسامة بن زيد -رضي الله عنهم- يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا أو شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تعقروا نحلًا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له……..».

وكيف كان لتوازن ضوابط الأمة الإسلامية الأثر الكبير في ازدهار حضارتها العلمية والفكرية والمدنية التي تمتعت بها حواضر الإسلام، وخصوصًا الأندلس التي كانت مصدر إلهام للحضارة الغربية فكانت شهادة مفكريهم لها «إن حضارة العرب المسلمين هي أول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين، وأنهم هم الذين مدنوا أوروبا مادة وعقلًا وأخلاقًا»، وكذلك «وفي الإسلام لم يولِّ كلٌ من العلم والدين ظهره للآخر بل كان الدين باعثًا على العلم، وإن الحضارة الغربية مدينة للحضارة الإسلامية بشيء كثير».

هذا ختام الحديث عن الحضارة الغربية التي ألقت بآثارها على الجميع ومهما كانت تجربتها إلا أن آثارها الإيجابية قد لاقت عند البعض استحسانًا لاتباع خطواتها وتبنيها دون تمييز بين المفيد والضار، وهو ما سيتم بيانه في آثارها الفكرية على عالمنا الإسلامي والعربي.

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X