كتاب الراية

بيني وبينك …. لكلّ مَقامٍ مقال

كم من سليم جَرّ عليه القول ويلات وكم من بارِئ أصابه قوله بالآفات

تلك قاعدة لو مشى النّاس عليها لاستَقام أمرُهم، وتجنّبوا الوقوع في الزّلل، وبلغوا مُرادَهم من لسانِ حالهم، وفُهِموا على الوجه الّذي ينبغي أنْ يُفهَموا عليه. وأصل هذا (لكلّ مَقامٍ مَقال) أثرٌ -على الرّاجح- لأبي الدّرداء رضي الله عنه، وله تتمّة قيل إنّها: (ولكلّ زمانٍ دولةٌ ورِجال)، فأمّا النّصف الثّاني، فأحسنُ ما تمثّل به الشّاعرُ جريرٌ حين أدخلَ عمرُ بن عبد العزيز على مجلسه العُلَماءَ والفُقَهَاء واجتنبَ الشُّعراء، فإنّه لمّا قَدِم جريرٌ على عُمرَ رضي الله عنه يمدحُه – كما مدحَ عبد الملك بن مروان ويسأله الجائزة – لم يُدخِله، لا هو ولا غيرُه من الشّعراء، وأطالوا الوقوفَ ببابه، فمرّ عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وعليه عِمامةٌ قد أرخى طَرَفَيها فدخل دون أنْ يُرَدّ، فتعلّق به جريرٌ وقال:

يا أيُّها الرَّجُلُ المُرخِي عِمامَتَهُ

هذا زَمانُكَ إنّي قد مَضَى زَمَني

أَبلِغ خَلِيْفَتَنا إِن كُنْتَ لاقِيَهُ

أَنّي لَدى البابِ كَالمَصْفُودِ فِي قَرَنِ

وبالعودة إلى الأثر الّذي قاله أبو الدّردراء فاختَصر به كثيرًا مِمّا يجب أنْ يُقال، نجدُ أنّ بشّارًا بن بُرد الشّاعر الأعمى من شُعراء الدّولتَين الأمويّة والعَبّاسيّة، جاءَه خَلاّد بْن مَهْرويه، فقال له: إنّكَ تجيءُ بالشَّيْءِ الهَجِين المُتفاوِت؛ فبينما تقول شعرًا يُثِير النَّقع ويخلعُ القُلوب مثل قولك:

إِذَا مَا غَضِبْنا غَضْبَةً مُضَرِيَّةً

هَتَكْنَا حِجَابَ الشَّمْسِ أو قَطَرَتْ دَمَا

إذا بك تقول:

ربابَةُ رَبَّةُ البَيْتِ

تَصُبُّ الخَلَّ فِي الزَّيْتِ

لَهَا سَبْعُ دَجَاجاتٍ

ودِيْكٌ حَسَنُ الصَّوْتِ

فقال له بشّار: لكلٍّ وَجْهٌ وموضعٌ، فالأوّل جِدّ، والثّانِي قُلتُه في جاريتي ربابة. وأنا لا آكُلُ البَيض من السُّوق، ورَبابةُ تجمع لي البَيض، فإذا أنشدتُها هذا حَرَصَتْ على جمع البَيض فهذا عندها أحسن من قول امرئِ القيس:

قفا نبكِ مِنْ ذِكرى حَبِيْبٍ ومَنْزِلِ

بِسِقْطِ اللّوى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ

ولو أنشَدْتُها من النّمط الأوّل ما فَهِمَتْه.

وهكذا ينبغي أنْ نُخاطِبَ النّاسَ على قَدْرِ عُقُولهم. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: «ما أنتَ بِمُحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغُه عُقُولهم إلا كانَ لِبعضهم فِتنة» .

ومقصود الأثر ألا يتكلّف القائل، وألاّ يُطيل، وألا يأتي بما يستعصي على الفَهم، بل يقصدُ إلى ما يقول، مُتجنّبًا بُنيّات الطّريق، مُوجِزًا ما استَطاع، ولو احتاجَ الكلام الإعادةَ فليَفْعل، ففي البُخاريّ من حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «كان إذا تكلّمَ بكلمةٍ أعادَها ثلاثًا، حتى تُفهَم عنه» . وهذا مقام القول إذا ساقَهُ إليه.

وفي قِصّة خالد بن الوليد الّتي يرويها ابن كثيرٍ في تاريخه (البداية والنّهاية): «أنّ الأسرى كانوا في مكانٍ باردٍ فقال خالد أدفِئُوا أسراكم، ففَهِم بعضُهم أنّه أراد أن يُقتَلوا فقتلوهم، ولم ينتبه خالد إلا بعد فوات الأوان – دلالةٌ أخرى على أنَّ من المَقام لم يحتمل المقال، ولو دَرَى خالد بن الوليد رضي الله عنه بمآلات ما قال ما قال.

وفي البُخاريّ عن ابن عباسٍ رضي اللَّهُ عنهما: أَنَّ رسولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم دخلَ عَلَى رَجُلٍ يَعُودُهُ، فَقَالَ: لاَ بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله، فَقَالَ: كَلَّا، بَلْ حُمَّى تَفُورُ، عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ، كَيْمَا تُزِيرَهُ القُبُورَ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَنَعَمْ إِذًا» . فكأنّه لمّا قال ما لا يجبُ أنْ يُقال في هذا المَقام لَزِمَه القول، فالْتَقَمه القبر.

وكم من سليمٍ جَرّ عليه القول ويلات، وكم من بارِئٍ أصابَه قولُه بالآفات، وكانَ في غِنًى لو أنّه حَفِظَ لِسانَه، وفي مأمنٍ لو أنّه أصابَ مقالتَه، وفي أمثال العَرَب: «البلاءُ مُوَكَّلٌ بالمَنطقِ»، صاغَه الشّاعر، فقال:

احفظْ لِسَانَك لا تَقُولَ فَتُبْتَلَى

إِنَّ البَلاءَ مُوَكَّلٌ بِالمَنْطِقِ

الأردنّ

AymanOtoom@

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X