كتاب الراية

قضايا وطنية …. مبدأ المساواة أمام القانون في الدستور القطري

لا يقدح في مبدأ المساواة وضع القانون شروطًا للتمتع ببعض الحقوق

فكرة المساواة بين الناس مِن أنبل الأفكار التي يمكن أن يعتنقها الإنسان، إذ تنطوي هذه الفكرة على العديد من المعاني السامية، ففيها الحق، والعدل، والرحمة والتواضع، والمحبة.

ولقد بلغ شأن هذه الفكرة أن صارت من أهم المبادئ الدستورية التي تبنّتها أغلب دساتير العالم.

وإن مما تفخر به المجتمعات الإسلامية -في كل بقاع العالم- أنها مبدأ من المبادئ التي كرّسها الإسلام ودعا إليها، ففي محكم التنزيل يقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).

ففي هذه الآية الكريمة قاعدة في غاية العظمة مُفادها أن الناس جميعًا لا يتفاضلون فيما بينهم إلا بتقوى الله عز وجل.

وفي السُنة النبوية المُطهرة أكثر من حديث يدعو إلى المساواة بين الناس، ومن ذلك قول النبي (أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى)، وقوله (كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ).

ولقد كرّس الدستورُ القطريّ الحالي مبدأ المساواة من خلال النص عليه في مادتين من مواده، هما المادتان (34، 35) من هذا الدستور، حيث نصت المادة (34) على أن:-

«المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات العامة»

كما نصت المادة (35) على أن:-

«الناس متساوون أمام القانون لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين».

وبمقتضى هذه النصوص العظيمة يكرّس الدستور القطري مبدأ المساواة فيما بين جميع المواطنين الحاملين للجنسية القطرية، فهم في الحقوق والواجبات العامة سواء، بل ويتوسع الدستور القطري في مبدأ المساواة ليصل إلى أبعد مدى له، حيث يكرّس هذا الدستور مبدأ المساواة بين الناس جميعًا، أمام القانون، سواء مواطنين أو أجانب، مُقيمين أم زائرين، ويحظر الدستور بصريح نصه أي تمييز بين الناس بسبب أجناسهم أو أصولهم أو لغاتهم أو عقائدهم، وأي قانون ينطوي على مخالفة، مباشرة أو غير مباشرة لمبدأ المساواة هو قانون مخالف للدستور القطري.

ويعني هذا المبدأ في أبسط معانيه أن الناس جميعًا أمام القانون سواء، ولا يجوز تفضيل أحد على غيره بسبب لون أو جنس أو أصل، أو لغة أو عقيدة أو شريعة، وكل ما يخالف ذلك باطل وغير مقبول.

ورغم المعاني العظيمة لمبدأ المساواة أمام القانون، والقيمة الدستورية له، فإن هذا المبدأ لا يمكن أن يكون مطلقًا، سواء من الناحية القانونية، أو من الناحية الأدبية، فمن الناحية القانونية، فإنه لا يقدح في مبدأ المساواة أن يضع القانون شروطًا للتمتع ببعض الحقوق أو المراكز القانونية، بحيث لا يتمتع بهذه الحقوق أو يشغل هذه المراكز إلا من توافَرَت فيه الشروط التي وضعها القانون، فمثلًا حين يضع القانون شروطًا لشغل وظيفة ما، فلا يجوز أن يتقدم لشغلها إلا من تتوافر فيه هذه الشروط، وعندئذ يتقلص مبدأ المساواة بالنسبة لشغل هذه الوظيفة ليقتصر على من تتوافر فيهم شروط شغلها فقط، ودون غيرهم من أفراد المجتمع.

أما مِن الناحية الأدبية، فإنه لا يقدح في مبدأ المساواة أن يفضل بعض الأفراد على غيرهم لصفة فيهم، كصفة العلم، أو تقدم العمر، أو المكانة الاجتماعية، وهذا ما كرسته الشريعة الإسلامية السمحاء، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ليس منَّا مَنْ لم يُجِلَّ كبيرَنا، ويرحمْ صغيرَنا! ويَعْرِفْ لعالِمِنا حقَّهُ)، كذلك فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (خِيَارُكمْ في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكمْ في الإسْلَامِ إذَا فَقُهُوا)، فلا يقدح في مبدأ المساواة احترام الكبير وتوقيره، واحترام العالم وتقديره، واحترام أولياء الأمر وتقديرهم وطاعتهم، والرفق بكل ضعيف، وكل صغير، وكل ذي حاجة.

فالمساواة أمام القانون تمثل -ولا شك- ذروة سنام الحضارة الإنسانية.

@jathnanalhajri

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X