كتاب الراية

في محراب الكلمة.. علمني رمضان.. لا تغضب

أليس الصيام أُنسًا وراحةَ بال وسكينةَ قلب ودفءَ رُوح واندماجَ مشاعر؟

سُئلَ حكيمٌ عربيٌّ كبيرٌ في السنّ، ماذا استفدت من سنواتِ عُمرك الطويلة؟
أجاب الحكيمُ: استفدتُ من حياتي أمرَين اثنَين؛ الأمر الأوَّل: ألا أغضب إلا لأمرٍ عظيم.
ماذا عن الأمر الآخر؟ أجابَ الحكيم: كل أمور الدنيا تافهة ولا تستحق الغضب.
أعجبتني هذه اللفتةُ الجميلةُ لهذا الحكيمِ الطاعن في السنّ، والذي خبّرته السنون والأيام وتوصل إلى هذه القناعة الراسخة بأن كل أمور الدنيا لا تستحقُ الغضبَ والصراخَ والانتقامَ والتخطيطَ للعدوان على الآخرين والنيل منهم وإسقاطهم بحقٍّ أو بدون حقّ.
ما علاقة هذا الأمر بشهرِ رمضان المُبارك؟
الحقيقة أنَّ الكثير من الناس قلبوا المعادلة رأسًا على عقب، فبدلًا من تحويل الصيام إلى وسيلة لتقويم السلوك وتهذيب الأخلاق وسمو النفوس والترفع فوق نوازع النفس ودوافعها، أصبحَ الصيامُ حاجزَ صدٍّ منيعًا لدى البعض أمام القيام بأخلاقيات المُسلم تُجاه أخيه، فالنفوس متوترةٌ والأجواء مشحونة، والجميع في عجلة من أمرهم في سباق مع الدقائق والساعات، خصوصًا قبل وقت الإفطارِ، وقد تجدُ من الصعوبة التخاطب مع أحدِهم في هذه اللحظة، أو طلب المساعدة، وسيكون يومُك أسودَ لو تأخرت لحظة أمام إشارة المرور دون أن تطلق قاذفات البنزين لكي تفسح الطريق أمام الصائم العجُول خلفك.
لماذا لا نتعلّم من رمضانَ كتم مشاعر الغضب؟
أليس الصيام أُنسًا وراحةَ بال وسكينةَ قلب ودفءَ رُوح واندماجَ مشاعر؟ أين الخللُ حتى يتحوّل الصيام إلى سبب لنشوب الصراعات والمصادمات وضيق النفوس وشعور البعض باستحقاق الحصول على معاملة خاصَّة به، والسبب أنّه صائم؟!
وإذا كان داءُ الغضب قد حذّر منه النّبي- صلى الله عليه وسلم- في سائر الأيام، فإنَّه في شهر رمضان أشدُّ خطورة، حيث يقول النبي الكريم: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله، فليقل: إنّي صائم»، فالحكمةُ من الصيام تدريبُ الصائم وتقويمه بشكل عملي على تهذيب خُلقه وتحسين تصرفاته مع الآخرين ومحاولة كسر مشاعر الغضب ووأدها في مهدها قبل أن تتفاقمَ فتصير شررًا يتطاير على الآخرين.
عندما جاء رجل إلى النبي- صلى الله عليه وسلم-، فقال له أوصني: قالَ لا تغضب. وورد في حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم قالَ: إذا غضبت فاسكت، وكررها ثلاثًا، وهذا دليل على خطورة مشاعر الغضب ونتائجه السلبية التي قد تؤثر في قرارات الإنسان وتصرفاته وعلاقاته مع الآخرين.
من واقع تجرِبة فتش عن جميعِ الأخطاء التي ارتكبتَها بشكل شخصي أو الإطار المجتمعي الذي يحيط بك، ستجد أنَّ الغضب كان عاملًا رئيسيًّا في ارتكاب أخطاء جسيمة واتخاذ قرارات قاتلة، وعلى العكس من يمسك زمام غضبه ويدرس قراراته ويضبط تصرفاته بالحكمة والهدوء وعدم الاستعجال يكون الصواب والنتائج الحميدة من نصيبه.
قد يتحجَّجُ البعضُ بالدراسات النفسية والسلوكية التي يؤكد بعضها تأثير الصيام على سرعة الغضب وارتفاع الإدرينالين والشد العضلي، والإجابة عن ذلك أن الصائم الذي تمكّن من التغلب على نفسه ومنعها من الأكل والشراب طوال أيام رمضان، قادرٌ على كبح جماح غضبه وتهذيب مشاعره وتعميم رُوح الرضا والتسامح مع الآخرين، فمن لا يتعلّم في رمضان لن يتعلمَ في غير رمضانَ.

 

استشاري تدريب وتنمية بشرية وتطوير مؤسسي

[email protected]

 

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X