كتاب الراية

أزمة السودان.. من أزمات الشرق الأوسط

محادثات جدة خطوة مهمة لمنع سقوط السودان في هاوية الحرب الأهلية

يَحار المرءُ من أين يبدأ الكلام عن أزمة السودان الصادمة، التي انفجرت مؤخرًا، والناس بين نائم وصائم وقائم ومُنتظر فرحة «عيد الفطر السعيد» بالشوق المألوف، فصار كل من يهمه الأمر منهم، يضرب كفًا بكف، ويتلمس سلامة رأسه، وينشد النجاة من هول هذه الأزمة الخطيرة.

وغير خافٍ، أن ما يجري في السودان «الطيّب»، خلال هذه الأيام العصيبة، بعيد كل البُعد عن نُصرة الحرية الديمقراطية أو الحقوق الإنسانية أو الحقوق العربية أو الإسلامية أو الإفريقية. ذلك أنه لا يُفيد من هذه الأزمة إلا أعداء السودان في الداخل والخارج، كونَها تُعرِّض البلاد والعباد إلى خطر التقسيم وعدم الاستقرار وفقدان الأمن.

وينبغي ألا يغيبَ عن الذهن أمام هذا التطور المنظور والمُتسارع والخطير للأحداث الجارية هذه الأيام في السودان أنه ليس وليد الساعة، وإنما هو مُرتبط بحلقات الماضي البعيد والقريب أشد الارتباط، بل كان نتيجة حتمية لها. والمُضحك المُبكي، أن الأمر قد وصل ببعض القيادات العربية البائدة أو القائمة أنها لم تقف عند مجرد هجر الوقوف المادي أو المعنوي أو كليهما في وجه الكيان الإسرائيلي، وإنما تعاملت أو تتعامل معها بتناغم لا يُنكر، وبلا خوف أو وَجَل، لا من الدين ولا من التاريخ. وقد استغل الكيان الإسرائيلي ذلك كلَّه، ونقل أزماته إلى داخل معظم البلاد العربية، وحَوّلَها إلى دول فاشلة أو في طريقها إلى الفشل. فنظرة فاحصة لحال الأوضاع القائمة في فلسطين، العراق، سوريا، ليبيا، تونس واليمن، وزد عليها السودان، وربما غيرها، تَخلُص إلى الخطورة الكبيرة على مصير كل منها لما يجري فيها، والخشية كل الخشية من احتمال انتقال العدوى ذاتها إلى دولة أخرى في المنطقة. ويبدو أن ما يحدث في الخرطوم صراع محليّ بين قوتين منذ البداية، ولكن إطالة أمده إلى اليوم، يوحي بأنه يجرى استغلاله من قِبل الكيان الإسرائيلي بكل نياته الخبيثة، ولا يُستبعدُ بَدءُ الاصطفاف خلفه من قبل بعض القوى الداخلية بنوايا مشكوك فيها، وكذلك فرضية تدخل بعض القوى الخارجية بنيات غير نظيفة أو غير شريفة، وأخرى بنيات حسنة أو حميدة. وفي خضم كل ذلك، تأتي مُحادثات جدة، بمبادرة من المملكة العربية السعودية محاولةً جادةً لمنع السودان من السقوط في هاوية الحرب الأهلية. هل من شك في أن فلسطين توحّد العرب والمسلمين؟ أليس فيها الأقصى المبارك، (أولى القبلتين وثالث الحرمين؟ وهل من شك في أن السودان تُطعم العرب وتسقيهم؟ أليست سلة غذاء العرب؟ أليس فيها بعض منابع النيل الخالد؟ أليست صاحبة المنبع في «اللاءات الثلاث» الشهيرة: «لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع العدو الصهيوني»؟ فلماذا التفريط بهما؟ وهل يتوقف الأمر عندهما؟. أليس التهميش المُستمر والتخريب المُمنهج لدول الشرق الأوسط، يجري على قدم وساق؟ أليس رأس الحربة في ذلك كله، الكيان الإسرائيلي، ومن ورائه كلّ من يدعمُه من دول العالم بالمال والسلاح وكل مُقومات البقاء والاستمرار في مخالفة قواعد القانون الدولي، وعلى رأسهم الإدارة الأمريكية (سواء كانت إدارة جمهورية أو ديمقراطية، إذ تتنافس كلتاهما في دعم الكيان الإسرائيلي بكل ما أوتيت من قوة، ومن جيب دافع الضرائب من مواطنيها)؟ ماذا وراء تغيير البعض كلامه من «العربية» الفصيحة، إلى «العبرية» الملتوية؟ مَنْ أقسى: غدر الأخ والصديق أم ظلم العدو البغيض؟. والجواب على كل ما تقدم، برسم الجميع حاكمين ومحكومين. والمعذرة، يا سادتي الكرام، فلا بد من وقفة حق، وصحوة ضمير من أجل العدالة في كل مكان. إذن، البداية كانت فلسطين.. والسودان لن يكون النهاية.. ولن تتوقف أزمات الشرق الأوسط، إلا بالعمل على انتهاء الاحتلال الإسرائيلي الغاشم للأرض العربية، وفي مقدمتها الأرض الفلسطينية. وذلك بكافة الطرق المشروعة التي تكفلها قواعد القانون الدولي. وذلك ليس بمستحيل.

أليس في انتهاء الفصل العنصري في جنوب إفريقيا وتحريرها مَثَل حديث يُحتذى؟ ولكن يتطلب ذلك، ضرورة تمسك الواعين من العرب والمُسلمين في كل مكان، محكومين وحاكمين، بحقوقهم المشروعة في معظم بلادهم التي دخلت مرض الموت، وصارت في مهبّ الريح في ظل الأزمات المُتلاحقة.

 

كلية القانون – جامعة قطر

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X