كتاب الراية

فيض الخاطر …. ماذا تقول النخيل عندما تبوح؟ «3 – 3»

اهتمام الكاتبة هدى النعيمي بالبحث العلمي ساعدها على فهم الحالات النفسية لشخصيات قصصها

بعدَ انقضاءِ فترةِ التدريب في معمل د. مونيه قال لها مُعاتبًا وهي تُودِّعه: (رغم أنكِ لم تتعلمي الفرنسية في هذه الفترة، سأسامحكِ، وسوف أوفر لكِ فرصةً أخرى). وأعطاها رسالةً رسميةً تحمل خَتْمَ الجامعة، موجهة إلى السفارة الفرنسية في قطر، تُشير إلى أنه يُرحّب بأن تكون طالبة للدكتوراه بعد أن تنهي الماجستير في مصر، لمدة تمتد لثلاث سنوات من دون رسوم للجامعة.

وجاءت قاصمة الظهر في صيف 1990 حين كانت وعائلتها في رحلة عائلية إلى أوروبا، ولما ترددت الأخبار عن وجود حشود عراقية على الحدود الكويتية، أصبح لا مفرَّ من العودة المقرونة بالتوجس مما يُخبئه الغد من مُفاجآت، ويا لها من مُفاجآت، تمثلت في إعلان راديو بغداد أن الكويت أصبحت المُحافظة 19 من مُحافظات العراق، ومرَّت سبعة أشهر على الاحتلال قبل أن يتدخلَ التحالف العربي والدولي الذي أنهى حكم صدام، وأنهى حياته، لتدخل العراق في نفقٍ مُظلمٍ، ويدخل العراقيون في أزمة ثقة في علاقتهم مع دول الجوار والعالم، ما بين طامعٍ في ثرواتها، ومُتآمرٍ على مُستقبلها، ومُحايد فاقد الأمل في عودتها لدائرة الضوء العربي، بعد أن أصبحت لقمةً سائغةً في فَمِ أعدائها، وهي مُكبّلة بسنوات الحصار العجاف، لتكثر فيها بؤر الفساد المالي، وتتسع دائرة المُتاجرين باستقلالها وحريتها وأمنها الوطني. واختتمت الكاتبة هذا الفصل عن غزو الكويت بأبيات شاعر العراق الكبير الجواهري، ومن ذلك قوله:

أبغداد اذكري كم من دموع

أزارتك الصبابة والغليلا؟

جرين ودجلة لكن أجاجًا

أعدن بها الفرات السلسبيلا؟

فإن منعوا لساني عن مقال

فما منعوا ضميري أن يقولا

وعودًا على بَدءٍ في بيت الطالبات بالقاهرة، في فترة التحضير للدكتوراه، والذكريات مع مُشرفتَي السكن «أبلة وهيبة»، و»أبلة كريمة»، ووجبة السمك الأسبوعية كل يوم جمعة، وجامع مصطفى محمود والداعية زينب الغزالي، والكرم المصري الحاتمي، وشرب الشاي بمزاج، وتَكرار مُشاهدة فيلم المصير للمُخرج يوسف شاهين بأبطاله الثلاثة: نور الشريف ومحمد منير وليلى علوي، ومجموعتها القصصية المفقودة، ثم صدور أول كتاب لها وهو «المكحلة» الذي احتُفي به في مصر والدوحة، ثم مجموعتها القصصية الثانية «أنثى» وبعد الدكتوراه، انتهت أيام المحروسة لتقول لمصر سلامًا وإلى اللقاء، تلتها العودة إلى الدوحة وكتابها الثالث «أباطيل» في المطبعة، وانغمست في العمل دون أن يمنعها ذلك من الكتابة في الصحف، ومُتابعة النشاطات الثقافية، والمُشاركة في ندوات نادي الجسرة وجلسات الصالون الثقافي، كما تم اختيارُها لعضوية مجلس إدارة المجلس الوطني للثقافة في دورته الأولى والذي ضم في عضويته صديقتها د. كلثم جبر والكاتبة مريم آل سعد إلى جانبها من النساء، وجمعت بعض ما كتبته في الصحف في كتابها «عين ترى» وكلفت برئاسة القسم الثقافي بجريدة الراية، إلى جانب عملها الرسمي في المُستشفى. وسافرت كثيرًا في مهمات عملية أخذتها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وأكثر محطاتها فيينا، حيث المقر الرئيسي للوكالة الدولية للطاقة، كما تكررت زياراتها العلمية لعددٍ من عواصم العالم، وشاركت في العديد من المؤتمرات واللجان العلمية وترأست بعضها، كما نالت جائزة الدولة في العلوم تقديرًا لجهودها العلمية في مجال الطب النووي، ولها نشاطها المعروف في جوانب ثقافية عديدة.

ولا شك أنَّ اهتمام الكاتبة هدى النعيمي بالبحث العلمي قد ساعدها على فهم الكثير من جوانب الحالات النفسية التي تمر بها شخصيات قصصها، لتُبدعَ في هذا المجال قدر إبداعها في مجال تخصصها، وحصولها على الدكتوراه في الفيزياء، وعملها على تطوير أنظمة الحماية من الإشعاع داخل المؤسسة الطبية، كما أنها تشغل منصب أستاذ مُساعد في جامعة وايل كورنيل للطب في الدوحة، وهي الأمنية التي كانت تُراودها للعمل في المجال الأكاديمي. إنه كتاب جميل لكاتبة أجمل، فلا تفوتكم قراءته.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X