كتاب الراية

فيض الخاطر ….النظافة.. مسؤولية الجميع

النظافة لا تتجزأ، بل هي مظهر حضاري لا بد أن يشمل كلَّ جزء في بلادنا الغالية

في الصيفِ يكثرُ خروجُ الناسِ من منازلِهم في الأمسيات التي تجود أحيانًا بنسمات تُخفّف من عبء الرطوبة وشدَّة الحر، وليس هناك ما هو أجمل من هذه الرحلات العائلية، في لمِّ الأُسرة واستمتاعها بالتريض والترفيه، لكنك عندما تريد التخييم أو مُجرد الاستراحة العائلية في البَرّ أو على شاطئ البحر أو في بعض المتنزهات والحدائق العامة تُفاجَأ بحجم المُخلفات التي يتركها بعضُهم في هذه الأماكن، فهم لا يُكلفون أنفسَهم عناء جمع مُخلفاتهم ورميها في أقرب حاوية للقُمامة؛ حفاظًا على نظافة البيئة وحمايةً لصحة الإنسان، وتأكيدًا على النظافة العامة لتحتفظ هذه الأماكنُ بجمالِها الطبيعي، والأغرب من ذلك أن بعض كبار السن لا يتردّدون في استخدام الألعاب المُخصصة أصلًا للأطفال ما يؤدِّي إلى تلفها وتعطيلها، وحرمان الصغار من استعمالِها، وهو أمرٌ مؤسفٌ يرتكبه بعضُ الناس الذين يُسيطر الإهمال على تصرفاتهم، ولا يشعرون بأهمية المُحافظة على نظافة هذه الأماكن لتبقى نظيفةً كما هي عندما حلّوا بها، حتى يجدَها من يأتي بعدَهم نظيفةً وسليمةً وخاليةً من هذه المناظر التي لا تسرُّ النَّاظرين.

صحيح، إنَّ عمَّال النظافة يقومون بتنظيف مثل هذه الأماكن أولًا بأول، لكنَّ هؤلاءِ العمالَ ليسوا على الدوام مُتواجدين في كل هذه الأماكن، وهنا تبقى المسؤولية المُباشرة مناطةً بروَّاد هذه الأماكن، التي تستفيد منها في الغالب العمالة الوافدة، وهذا لا يُلغي مسؤولية المواطن، فهو مسؤول حتى وإن لم يستخدم هذه الأماكن، من مبدأ (من رأى منكم منكرًا فليغيّرْه)، بمعنى أنه إذا رأى مثل هذه التجاوزات فعليه أن ينصحَ مُرتكبيها بالحُسنى، وإن لم يستجيبوا له فعليه الإبلاغ عنهم لدى الجهات المُختصة التي لا شكَّ أنها فرضت عقوبات على مثل هذه التجاوزات، وَفق أنظمة مُحددة، لكنَّها لا تطبق في معظم الحالات لغياب المعرفة بتلك التجاوزات، والجانب الأهم هو التوعية من خلال اللوحات الإرشادية التي تؤكد على عدم رمي المُخلفات، ما يقتضي وجودَ حاويات قريبة تُساعدُ على جمع ورمي هذه المُخلفات، ويمكن أن تتضمن هذه اللوحات الإرشادية إشارةً للعقوبات التي تفرض على مَن يتهاون في هذا الأمر، وهذه مهمةُ المُراقبين الذين يعملون في البلدية لرصد المُخالفات في أمورٍ كثيرة، ومنها ما يتعلق بالنظافة.

إن التركيز على النظافة لا يقتصر على الأحياء والشوارع التي تحظى بعناية كبيرة من البلدية، بل إن نظافة أماكن التنزه أو التخييم لا تقل أهمية عن نظافة الأحياء والشوارع، والنظافة لا تتجزأ، بل هي مظهر حضاري لا بد أن يشمل كلَّ جزء في بلادنا الغالية، باتباع شتَّى الوسائل التي تجعل النظافة ثقافةً عامةً يُمارسُها الجميع وفي كل الأماكن، ومن يتهاون في هذا الأمر فإن العقاب له بالمرصاد دون تهاون.

عندما يستنكر كل واحد منا هذه المُمارساتِ الخاطئةَ، ولا يكتفي بعدم مُمارستها، بل يُعين على ألا يرتكبها الآخرون، حين ذلك ستتلاشى هذه الظاهرة مع الأيام، وتختفي معها نتائجُها السلبية المُتعلقة بالنظافة العامة.

النظافة مسؤولية عامة، يُمارسها الإنسان في الأماكن العامة كما يُمارسها في بيته، إنها واجب شخصي، وواجب عام، وقبل ذلك هي واجب ديني، وقد علمنا ديننا أن النظافة من الإيمان، وفي الحديث: (إماطة الأذى عن الطريق صدقة) ولا يخفى على أحد الأذى المُترتب على غياب النظافة. منذ الصغر كنا نردد:

الولد النظيف منظره ظريف

وكلنا نوقره وكلنا نقدره

والولد المستقذر هو الذي يحقر

ولا يحبه أحد من كل سكان البلد

يا لبساطة الكلمات، وعمقها التربوي، ورغم ما يزيد على نصف قرن، ما زلنا نحفظها لعلها تحثنا لا على النظافة الخاصة فقط، بل وعلى النظافة بصورة عامة، ومن بليغ الكلام ما رواه ابن مسعود وأورده مسلم في صحيحه قول النبي- صلى الله عليه وسلم-: (إن الله جميل يحب الجمال).

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X