كتاب الراية

بيني وبينك.. قصّة ثلاثيّة المخطوطات (2/3)

إنْ كانتْ لي ولعائلتي من أمنيةٍ أخيرة فهي أنْ يُنشَر هذا المخطوط ولو بعدَ حين

سِرتُ في السّاحةِ الفسيحةِ، تطلّبَ الأمرُ أنْ أُطرقَ برأسي، وأُصغي بقلبي لأسمع بعضَ الأصوات الغريبة المُتداخلة، نفضتُ رأسي فسكتتِ الأصوات، تطلّعتُ من حولي، شعرتُ بأنّني أهذي، ربّما السّبب آثار الحُمّى الّتي أصابتْني قبل أيّام. زممتُ شفتَيّ ومضيتُ، كان الصّوت قد اختفى كأنّما ذابَ في الهواء، أو تناثر على الأرض قِطعًا صغيرةً واختبأ بين ذرّات التّراب. مشيتُ باتّجاه النّهر، كان النّهر لا يزال يجري، وصوتُه صار أكثر وضوحًا كلّما اقتربْنا جِهَتَه، وحينَ صرتُ على ضِفّته تمامًا سمعتُ تلك الأصوات الغريبة تختلط مع صوتِ النّهر، لكنّني قدّرتُ أنّني أهذي من جديد، ونفضتُ رأسي ثانية فتساقط الصّوت كِسفًا.

على الغداء الّذي صنعتْه لنا واحدةٌ من حَفَدة هذا الحفيد التّسعينيّ، قال لي: حدّثَني أبي عن جَدّته، أنّها بعد أنْ ألحّ ابنُها في السؤال عن أبيه، وهل هو حيّ أم مَيْت؟ باحتْ له بالسَرّ وهي تجود بآخر أنفاسِها: «أُخِذَ أبوك في ذلك اليوم رقيقًا. ولا تُتعِب نفسَك بالسّؤال أبعدَ من ذلك، فأنا بيني وبين الموت خطوة، وبيني وبين الله مسافة كلمة. ولا أريدُ أنْ أنبش هذه الذّكرى الأليمة، كلّ ما أرجوه أنْ أرتاح بالموت من هذه الحياة. ولا تبخل عليّ ببعض الدّعاء». حدث ذلك – كما حدّثني أبي – في عام ١٨٧٠م، وهي عجوز في التسعين من عمرها، أمّا ابنُها السّتّينيّ فلم يرَ أبأسَ في حياته من ذلك اليوم، موتُ أمّه ومعرفته بأنّ أباه لم يمتْ شهيدًا في معركةٍ مع المستعمرين كما كان يُشاع، بل أُخِذَ مع الرّقيق والعبيد. كان لجَدِّي حفيدان، الأكبر لم يهتمَّ بالموضوع وانشغل بنفسه وبعمله، والأصغر الّذي هو أبي المولود عام 1875م، أوصاه جَدّي قبل أنْ يموت هو الآخر بأنْ يذهب إلى أمريكا من أجل أن يبحث عن سرّ جدّه، سافرَ أبي بملء رغبته عام ١٩٣٠م إلى أمريكا، بالبحث، والسّؤال وصل إلى شخصٍ يُدعى (جون بيرد) قال: إنّ جَدّه كان رفيقًا للأمير عمر (مورو)، وكشف له أنّ جَدّه كتبَ عددًا من المخطوطات ابتداءً من عام1831م وصلتْ إلى سبع مخطوطات: اثنتَين منها في التّاريخ، واثنتَين في التّفسير والعقيدة، واثنتَين في مذكّراته وحياته الشّخصيّة، وواحدةٍ في مقارنة الأديان. بالإضافة إلى رقوقٍ كتبَ فيها سورًا من القرآن الكريم. ولمّا طلبَ أبي أنْ يشتري منه هذه المخطوطات، رفضَ رفضًا قاطِعًا، لكنّه خيّره إكرامًا لجَدّه العظيم، ولِتَعَبِه في القدوم من وراء البِحار أنْ يهبه واحدةً فقط من السّبع. فاختار أبي إحدى المخطوطتَين اللّتَين تتحدّثان عن حياته، وكانتْ أكبرهما إذ كان عدد رقوقها يزيد عن مئتَي رَقّ، في حين كانت الثّانية لا يتجاوز عدد رقوقها ثلاثين رَقًّا.

عادَ أبي إلى السّنغال، واهتمّ بالمخطوط، وعندما بدأ بقراءته ذُهِل، كان المخطوط صورةً حيّة لما عاشَه جَدُّه قبل أنْ يأخذوه رقيقًا، وصورةً عمّا عاناه طَوال سنواته في العبوديّة، وكان مكتوبًا باللغة العربيّة، وبخطّ أنيق ومسطورٍ في سطورٍ مرتّبة لا ترى فيها عِوجًا. لم نكنْ أغنياء مع أنّ جَدّ أبي كان كذلك، وُلِدتُ أنا هنا عام 1906م. ما ورثناه عن جَدّنا هو هذا البيت الّذي تهدّمتْ أجزاءٌ كبيرةٌ منه في الحرب وهجمات البرابرة، وما زالتْ أجزاؤُه المُهدّمة على حالها، لم نكن نملك المال لإصلاحه.

احتفظ أبي بالمخطوط ثلاثين عامًا، وفي عام 1960م مع بدء وجود دُور النّشر، دفعَ بالكَنز الّذي بين يدَيه إلى إحدى هذه الدّور على أمل أن يُنشر، لكنّ أحدًا لم يقبل نشره، وكانوا يقولون له: «لم يكنْ جَدُّك هو الوحيد في هذا الأمر، إن مئات الآلاف بل الملايين من البشر من غرب إفريقيا أُخِذوا عبيدًا إلى أمريكا، وإنّ أجدادنا مِن هؤلاء، ولكنْ لم يعدْ أحدٌ يهتمّ». ماتَ أبي بحسرته في عام 1963م، وصار المخطوط بين يدَي. لم أكنْ أفهم بالمخطوطات ولا بالكتب، ولا حتّى بالقراءة، ولم نعدْ نتكلّم العربيّة إلّا قليلًا. دَفَعني العِوز إلى أنْ أبيعه إلى رجلٍ يشتري المخطوطات بأثمانٍ جيّدةٍ بالنّسبة لنا، كانتْ تقينا شظفَ العيشِ شهرَين أو ثلاثة، وسمعتُ أنّه يبيعها إلى أجانب يشترونها بأثمانٍ مرتفعة، وها أنتَ ترى، لقد صار المخطوط بين يدَيك. إنْ كانتْ لي ولعائلتي ولأبي ولجَدّي ولأبيه من أمنيةٍ أخيرة فهي أنْ يُنشَر هذا المخطوط، ولو بعدَ حين.

يُتبَع…

 

الأردنّ

 

AymanOtoom@

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X