كتاب الراية

نافذة على الإبداع.. صقلية تبدأ في ترميمها

فيلا بلاجونيا وغرابة الطراز الفني والمعماري

لكل مدينة روح، وروح المدن هي بناياتها وطرزها المعمارية التي تُعطي طعمًا خاصًا ورؤى خاصة لهذه المدن، وبحسب طرز العمارة في كل مكان نرى هذه مدينة شرقية وتلك مدينة غربية وهكذا، وفي هذا الإطار تسعى المؤسسات في إقليم صقلية، التي تتميز بروح خاصة قد تبتعد إلى حد ما عن الروح الإيطالية حيث يختلط فيها الشرقي بالغربي والروح المتوسطية بالدماء الإغريقية، ومن ثم تتميز ببعض العجائب والتي منها فيلا بلاجونيا بالقرب من باجاريا وهي من أغرب البنايات في العالم من حيث طرازها المعماري وأخيلتها الفنية، حيث بُنيت بين عامي 1710 و 1720 ومع أنها مملوكة حاليًا لأحد الأشخاص إلا أن بلدية باليرمو تعتبرها ضمن مُقتنيات صقلية التراثية، لذا فقد قررت البدء في عملية ترميم وتجديد فيلا بلاجونيا على نفقتها الخاصة.

يعتبر النبيل فرناندو جرافينا صاحب فيلا بلاجونيا من أكثر الشخصيات الغريبة والمُختلف عليها في القرن الثامن عشر والمُلقب بأمير بلاجونيا وهي مُقاطعة صغيرة على حدود باجاريا وقريبة جدًا من باليرمو، تاريخ فرناندو جرافينا على وجه التحديد تاريخ مُلغز والوثائق التي تتحدث عن حياته نادرة على عكس من خلفوه في إمارة بلاجونيا مثل حفيده القائد الشهير فرانشيسكو جرافينا والذي انتصر في معارك كثيرة في نابولي، لكن فرناندو الجَد ربما طمست الوثائق التي تتحدث عن تاريخه وحياته عن عمد وكأن أسرته أرادت أن تُلغي فيرناندو من تاريخ الأسرة، وبشكل ما وصلنا عن فيرناندو بعض الحكايات فهو شخصية حادة الطباع غريب الأطوار ويؤمن بالمخلوقات الغريبة مثل الجنيات والعفاريت والمردة، ودائمًا كان في معية السحرة والمشعوذين الذين انتشروا في صقلية آنذاك، وفي عام 1710 كلف فيرناندو جرافينا المُهندس تومازو نابولي ببناء فيلا بلاجونيا، التي سوف تكون السكن الخاص للنبيل فيرناندو جرافينا نبيل منطقة بلاجونيا، صممها تومازو على الطراز الباروكي لكنه انصاع لرغبات جرافينا في مسائل الزخرفة فبنى له هذا البهو التي تحمل جدرانه وأسطحه مخلوقات مُتوحشة ومسوخًا غريبة، لكننا في الحقيقة يجب أن نعترفَ أن التماثيل ليست مُرعبة لدرجة أن يطلق عليها «وحوش»، لكن نستطيع وبشكل مُنصف أن نقول إنها شخصيات خرجت من كوميديا سوداء فبعضها يبعث على الضحك وبعضها يبعث على التأمل وبعضها غريب ومُرعب، لكن في المجمل يجب أن نعاملها على أنها أعمال فنية طليعية بالنسبة لعصرها ومن الطريف أن نطلق على تماثيل هذا البهو التي اشتهرت به فيلا بلاجونيا أنه بهو سريالي لدرجة تجعلنا نؤكد أنه استشراف لتاريخ الفن السريالي قبل ظهوره بـ 250 عامًا.

كان قصر فيلا بلاجونيا وحتى عهد قريب يُشكّل حالة فنية وسحرية في صقلية، فلقد ارتبط بالحكايات الخرافية والحواديت الشعبية في صقلية بشكل كبير، حتى إن هناك عادات وتقاليد لا يزال بعض عوام صقلية يُمارسونها عند العبور أمام فيلا بلاجونيا، التي منها أن تتفل النساء ناحية اليسار كلما عبرت أمام فيلا بلاجونيا، ومنها مثلًا أن النساء الحوامل محظور عليهن العبور أمام فيلا بلاجونيا، فهذا يُهدد أن تولد أجنتهن بتشوّهات أو تموت قبل أن تولد، وإذا كان لا بد من العبور فإن المرأة عليها أن تنظرَ إلى الأرض ولا تتطلع للقصر حتى تعبره.

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X