كتاب الراية

فيض الخاطر.. الهجرة لعام وعالم أفضل

عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء.. وحريّ بالإنسان أن يستغل أيام قوته لأيام ضعفه

عامٌ جديدٌ يمرُّ على عالمِنا الإسلاميِّ، ليُعيدَ للأذهانِ ملحمةَ الهجرةِ النبوية التي حفظها التاريخُ ليُقدّمَ للعالم نموذجًا رائعًا للبطولة والفداء والتضحية، وتجسَّدت هذه المعاني السامية في أسطورةِ المجد التي سجَّل حروفَها الرسولُ العظيم في ظروفٍ شديدة الخطورة، في رحلة الهجرة من مكةَ إلى المدينة وما صاحبها من التوتر والقلق والأخطار المُحدقة، وقد بعثَ اللهُ في قلب رسولِه الطُمأنينةَ، فقال لصاحبه وهما في الغار: (لا تحزنْ إنَّ الله معنا فأنزل اللهُ سكينتَه عليه وأيَّده بجنودٍ لم تروها وجعلَ كلمةَ الذين كفرُوا السُّفلى وكلمةُ الله هي العُليا والله عزيز حكيم).

وخابت خطط أعدائِه من كفارِ قريش (ليظهره على الدين كله)، بعد أن وصل وصاحبه الصدّيق إلى المدينة، ويُستقبل بمُنتهى الفرح من أهلها رغم أنوف المُنافقين، ويبقى الدينُ ما بقيت الحياةُ، هدًى ورحمةً للعالمين، وطريقًا للحقِّ، والعدالة، والسلام، لتكون الهجرة، هجرةً إلى عام وعالم أفضل.

وشكلت الهجرة مفصلًا هامًا في تاريخ الإسلام، عندما اكتملَ في المدينة نزولُ القرآن الكريم، وانطلقت منها جيوشُ الفتحِ الإسلاميِّ التي كسرت أهمَّ إمبراطوريَّات ذلك العصر، وهما الفرس والروم، فبدأ الإسلامُ انطلاقتَه ليمتدَّ بعد ذلك ويجتاح الكفرَ وأهله، وتمتد رقعتُه لتصل إلى تخوم الصين شرقًا، وإلى حدود فرنسا غربًا، ويبني أعظمَ حضارة عرفها التاريخ، على أيدي رجال عاهدوا الله على النصر أو الشهادة، فكان الله معهم، وجعل النصر حليفَهم، والذين استشهدوا أحياء عند ربِهم يُرزقون.

ستمضي أيامُ السنة الجديدة، وكل دقيقةٍ منها تمرُّ على الإنسان تُؤذن بقرب النهاية؛ لأنَّ عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، وحريّ بالإنسان أن يستغلَّ أيام قوَّته، لأيام ضعفه، فيعمل وهو قوي ما لا يستطيع عمله، إذا وهن العظمُ منه، واشتعلَ الرأسُ شيبًا، ويُكْثر من عمل الخير، وهو زاده الذي سيخرج به من الدنيا، خالي الوفاض كما ولدته أمُه، حيث لن يبقى له سوى عمله شاهدًا له أو عليه، و(كل من عليها فانٍ، ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام).

وقد فلسفَ الشاعرُ أحمد شوقي الزمن، واحتسابه من العمر، فقال في رثائيَّتِه الرائعة للزعيم المصري مصطفى كامل باشا، مؤسس الحزب الوطني في مصر:

(دقات قلب المرء قائلة له

إنَّ الحياة دقائق وثواني).

فالحياةُ في مجملها ليست سوى لحظاتٍ وثوانٍ تمضي ويَمضي معها عمرُ الإنسانِ بما ارتكبَه من خيرٍ أو شرٍّ، لذلك أكَّدَ الشاعر على أن يكون عمل الخير هو ما يحيي الذكر الحسنَ للإنسان بعد رحيله:

(فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها

فالذكرُ للإنسان عمرٌ ثاني)

هذه هي السنوات: عمر يفنى في الخير تارةً، وفي الشر تارةً أخرى، وقد ضلَّ من ظن الدنيا وجهًا مُشرقًا على الدوام، وهي التي بين العبوس والابتسام تمضي، وبين الفرح والترح تمرُ مرَّ السحاب، والإنسان في غفلة من أمره، ولا ضمان له إن عاش هذا العام بأنه سيعيش العام الذي سيليه، وهو العارفُ بأن العمرَ ليس إلا دقائق وثوانيَ تمضي كلمح البصر، وفي الحديث:

(الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني). وليس بالأماني يُحقق الإنسان انتصارَه في الحياة، بل بالعمل الصالح وهو زاده في حياته ومماته، وقد مضى عامٌ جديرٌ بالتأمُّل ومُحاسبة النفس والعمل على تصحيح ما اعوجَّ من دروب الحياة، لتصبح هذه الحياة سوية ومُستقيمة، ما دام في العُمر بقية. مضى عام جدير بالأُمّة أن تُعيدَ حساباتِها، وتتلمسَ خطواتِها في طريق التطور والازدهار والتعايش السلمي مع غيرها، مع المُحافظة على هُويتها في عالمٍ تموج فيه تياراتُ التغريب، وتزدحم فيه المؤامراتُ، وتتفاقم فيه المُشكلاتُ، ولا نملك في عامنا الجديد إلا أن ندعوَ لوطننا الغالي بالمزيد من التطوّر والازدهار، ولأُمتِنا بالنصر على أعدائِها، وللعالم بالأمن والسلام، والحياة الحرَّة الكريمة للبشر جميعًا. وكل عام وأنتم بخير.

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X