كتاب الراية

فيض الخاطر.. في يوم الصداقة العالمي

قبل أيام وتحديدًا في تاريخ 30 يوليو احتفلَ العالمُ بـ «يوم الصداقة العالمي» الذي تمَّ الاعترافُ به لتمكين الأفراد من تنمية عَلاقاتهم الإنسانية سعيًا لإشاعة المحبة بين الشعوب والسلام بين الدول، وهي بادرة إنسانية يُمكِنها إذا نجحت أن تُقدّم للبشرية فرصًا لا تُعوّض للخلاص من كثير من المشاكل والأزمات الطاحنة التي هي في غالبها ناتجة عن الكراهية وعدم الثقة بالغير، وتوجّس الخيفة منهم، بصرف النظر عن قربنا منهم أو بعدنا عنهم، وقد يكون بيننا وبينهم من المصالح ما يفرض الوصول بعَلاقتنا بهم لدرجة الصداقة، لكنها في هذه الحالة ستكون صداقة مصلحة، وإذا انتهت هذه المصلحة انتهت تلك الصداقة، حين تطغى الـ «أنا» على كل ما هو جميل ورائع في الحياة، وتحيلها إلى حالة من العَلاقات المُتوترة بين الأفراد والجماعات، وتنتهي بخصومات حادة بين الشعوب والدول.

الصداقة الحقيقية هي تلك الصداقة التي تقوم على أسس إنسانية فيها ما فيها من الوفاء والتضحية والحب والعمق في المشاعر التي تزداد رسوخًا مع مرور الزمن، ولا تتأثر بما قد يطرأ عليها من خلافات مهما بلغت حدة تلك الخلافات ما دام الإيمان بالصداقة راسخًا في وجدان الأصدقاء، هذا الإيمان بالصداقة يُشكّل سورًا عميقًا يصعب اختراقه ليحمي تلك الصداقة من عاديات الزمان، وتقلبات الأيام والأحوال، وليس ما هو أكثر ضررًا على الصداقة من كثرة العتاب الذي يؤدي إلى مظنة السوء، بينما الافتراض هو حُسن النية وحُسن الظن بالصديق، ومن أسباب راحة الإنسان وسعادته أن يبعد المشاعر السلبية تجاه الآخرين، وهذا ما يلزم أكثر تجاه الأصدقاء.. وكما قال بشار بن برد:

إذا كنت في كل الأمور مُعاتبًا

صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبه

مما يستوجب العفو عند المقدرة، وعدم الوقوف كثيرًا عند الأخطاء التي قد تصدر دون قصد من الصديق، وفي هذا المعنى يقول بشار أيضًا:

إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى

ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه

ومن حُسن حظ المُسلمين أن كل القيم المؤدية إلى الصداقة والمُحافظة هي قيم إسلامية حثَّ عليها الدين الحنيف، وفي الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). وفي هذا الحديث الشريف أسمى معاني الود والمحبة والصداقة الخالصة لوجه الله التي تحيل الحياة إلى طمأنينة النفس، وتبعدها عن الضغائن والأحقاد، فأن تحب للآخرين ما تحبه لنفسك، منتهى الابتعاد عن الأنانية وحب الاستحواذ والسطو على خصوصيات الناس وأفكارهم وحرياتهم الشخصية، وحمل الضغينة وسوء النية ضدهم (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانًا). أمر نبوي كريم أن يكون المُسلمون إخوانًا.

ليكن العام بكل أيامه للصداقة، وليس يومًا واحدًا دون سواه.

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X