كتاب الراية

نبضات.. الهروب من الحياة إلى الموت

لم أستطِع في تلك الأمسية النومَ، كعادتي كنتُ أقلبُ في المحطات، ولسوء حظّي توقفتُ أمام نشرة الأخبار، كان المذيعُ يقدم صورة لا واقعية عن هروب البعض بحثًا عن حياة أفضل في ظل الحروب والجوع، والفراغ بمعناه الشمولي، كانوا مجموعة من أشقاء الدم، الدين، العادات والتقاليد، والمصير المشترك، كما رسخوا ذلك الأمر في أذهاننا عبر مقاعد الدراسة في المرحلة الابتدائية. شعارات حفظناها، ورددناها، كان اللقاء مع مجموعة من أبناء لغة العناد. وكيف أنهم قد عبروا الحدود. من دولة لأخرى، وكانوا أحسن حالًا ممن فُقدوا في وسط البحر.. أو تم إعادتهم، المأساة متعددة الأوجه. نعم، هم هربوا من ويلات الحرب، ولكن المأساة الإغريقية في انتظارهم. هنا واقع أكثر قساوة لأن الاستقبال لم يكن على الرحب والسعة، بل في أماكن لا تليق بإنسانية الإنسان، أماكن لا يتحملها البشر. هل قدرُ هؤلاء أن يعيشوا في رحلة الحياة هذه المعاناة!!

السؤال الهام، ما أكثر المنظمات الإنسانية، وما أكثر الشعارات، وما تبثه كل الإذاعات «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة» ولا يجد المواطن العربي الكرامة في بعض الأوطان، وكأنما قدرُه أن يكون لعبة، أنا لا أعرف في السياسة وما أطرحه، لوحة ذات بُعدٍ إنساني، قد يقول قائل: إن هذه لعبة أممية.

معظم دول إفريقيا، آسيا، أمريكا اللاتينية تدفع الثمن، وإن معظم الدول مُكدسة بهؤلاء اللاجئين. إذا كانت هجرة الإنسان -بحثًا عن لقمة تسدّ الرمق وسقف يُؤويه- واقعًا حتميًا، فلماذا تحمل هذه القوارب -قوارب الموت- أيضًا النساء والأطفال، في تلك الليلة اتصل بي أحد الأصدقاء، وسألني ماذا تفعل؟ قلت أشاهد مأساة الإنسان، كان رده صدمة، قال: يستاهلون!!

لماذا يستاهلون!! قال: ماذا يجدون في أوروبا، لا شيء، ماذا لو أخلصوا مثلًا في العطاء لأوطانهم، لقد شاهدت عبر تجوالي في العواصم الغربية مثل هذه النماذج، يرضخ لكل القوانين ويأبى أن يعمل تحت وصية أبناء وطنه، نحن نحلم بالمواطن الذي يخلق من وطنه جنَّة، ولا يبحث عن جنة وهمية، الغرب في ذاكرتهم أمر وهمي، وهناك صراع بين أجناس متعددة، وهناك السخرة سواء في مزارع العنب، أو المعاناة الجمعية، الغرب لم يعد جنة الله على أرضه.

هناك العديد من الإشكاليات، لماذا يرضى أبناء القارة السمراء بالسخرة في أوروبا، ويعيش حلمَ الحياة الكريمة، يا صديقي هؤلاء لا أتعاطف معهم لأنهم يرتمون في أحضان الآخر، إنهم نماذج لا يُفلح منهم إلا أقل القليل أنهم يهربون من الرمضاء إلى النار ويهربون من الحياة إلى الموت!!

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X