المنتدى

الملك المصري

بقلم /سامي كمال الدين ( إعلامي مصري )

 

هل حمّلت الجماهيرُ العربيةُ اللاعب محمد صلاح فوق ما يطيق؟! كان هذا هو أول سؤال طرأ على بالي وأنا أتابع غضبَ جماهير الكرة ضد لاعب نادي ليفربول الشهير وواحد من أمهر لاعبي الكرة في العالم الآن، إذ أحب العربُ محمد صلاح بصدق ووجدوه مُعبرًا عنهم أمام العالم، وراح يتفاخر الشعب المصري بمهارته وشهرته العالمية، وفرحوا بوصف «الملك المصري» له، كما أعجبهم تقديم محمد صلاح لنفسه من خلال صوره في الطائرة التي يحمل فيها المصحف الشريف وتمسكه بالأخلاق إلى جانب مهارته في اللعب، وقد شارك محمد صلاح في صناعة هذه الصورة بشكل كبير، لذا أعلن جمهورُه الغضب عليه بسبب صمته جرّاء ما يحدث في غزة.. ربما تعاقد محمد صلاح مع ناديه ينص على عدم التعاطي مع السياسة أو الاشتباك مع القضايا السياسية، لكننا أمام حدث إنساني قبل أن يكون سياسيًا، هناك آلاف من المدنيين يُقتلون كل يوم وتُهدم بيوتهم، كان بإمكان محمد صلاح أن يخرجَ ويصرّح مثل العديد من الأنظمة العربية بأنه ضد قتل المدنيين من الجانبين، ضد قتل المدنيين في تل أبيب وضد قتل المدنيين في غزة، كان بإمكانه أن يكتبَ آية قرآنية توضح موقفه، كان بإمكانه وهو صاحب الحضور الطاغي في العالم كله ويتحدث اللغة الإنجليزية أن يخبرَ العالمَ عن الضحية عبرَ التاريخ الذي يُباد ويُهجر ويُحاصر ويُجوّع، لكن صلاح اختار أن يصمت، ثم تعلن مؤسسته أنها بدأت تقديم المعونات إلى أهل غزة، وهو نفس ما فعله الفنان محمد رمضان، مع أن موقف صلاح يختلف كثيرًا عن رمضان، فصلاح قدم نفسه للناس في ثوب المُلتزم بينما قدم رمضان نفسه في ثوب صديق الإسرائيليين الذين يلتقي بهم كثيرًا ويلتقط الصور والفيديوهات معهم، وكلنا رأينا صوره مع الفنان الإسرائيلي عومير آدم، آدم الذي ذهب إلى الجيش الإسرائيلي قبل بضعة أيام ليرفّه عنهم بتقديم أغانيه لهم.
لم تكن الأغنية العربية منبطحة عبر تاريخها، بل كانت في خندق واحد مع العساكر والجيوش، ولعبت دورًا كبيرًا أثناء النصر والهزيمة فلم يتوانَ فنانون مثل محمد عبد الوهاب، أم كلثوم، عبد الحليم حافظ، شادية، وردة، نجاح سلام، شريفة فاضل، سمير الإسكندراني في تقديم أغان تعبّر عن الفرحة بتحقيق النصر أو الحزن بعد الهزيمة، فكان صوت عبد الوهاب يصدح عن فلسطين بقصيدة أخي جاوز الظالمون المدى، التي كتبها الشاعر علي محمود طه، وكانت أم كلثوم تترنم بكلمات الشاعر كامل الشناوي: أصبح عندي الآن بندقية إلى فلسطين خذوني معكم، التي كتبها الشاعر نزار قباني ولحنها محمد عبد الوهاب.
لقد خسرنا حتى الأغنية العربية التي كانت تشعل الحماس في الجماهير، وأصبح لدى جيش الاحتلال مطربون يذهبون إليه يتغنون به وله، بينما يخشى المطربون العرب أن تلوث الأغاني الحماسية ثوب نجوميتهم، يخشون أن يذهب عنهم الحرير الذي يرفُلون فيه، والمجد الذي وصلوا إليه، ربما يعود الأمر إلى أن السلطة نفسها، لم تعد فلسطين قضيتها كما كانت في الستينيات، حيث استطاع نظام جمال عبد الناصر أن يُوصلَ صوتَ القضية وصوتَه إلى كل بيت عربي عبر الراديو الترانزستور، رجاء لا تحدثني عن ديكتاتورية عبد الناصر واستبداده، فالعالم العربي لا يرفُل في ثوب الديمقراطية الآن، وهذه الكلمات لا مبرر لها ولا لك ولا لي، لكنها فعلًا تعبير عن الحزن والأسى الذي وصل إليه عالمنا العربي حتى في مجال الأغنية، لو قدم محمد رمضان أغنية أو وقف دقيقة صامتة في افتتاح كأس الأمم الإفريقية أو في الحفلات التي صرح بأنه لا يستطيع أن يُلغيها لأن فيها شرطًا جزائيًا لصنع له مكانة أكبر بكثير من التي هو عليها، لكن هذا غير متوقع منه، ذلك أن البدايات تخبرك عن النهايات.
لم تعد الأغنية العربية بصحة جيدة، هي بعافية، غاب عنها انتماؤها الأصيل لعروبتها ولقِيَمها العربية الأصيلة، أصبحت مثل خيل الحكومة لا تُجيد الصهيل، أو مثل الحكومات العربية التي لا تجيد الصليل.

 

@samykamaleldeen

 

 

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X