كتاب الراية

بيني وبينك.. يوميّات مُسعِف 1

كان قد تهدّم منذُ الصّباح، غارة إسرائيليّة في الخامسة فجرًا، جعلتِ المبنى كلّه يخِرّ على قدمَيه، ويجثو على رُكبتَيه. لم يكنِ المبنى الوحيد. توزّعْنا نحن المسعفين الّذين يبلغ عَددُنا عشرين شخصًا على الأبنية المُجاورة الّتي تكتظّ بها المنطقة.

يُمكنك -مع سطوع الشّمس قويّةً هذا النّهارَ- أنْ ترى الأدخنة الّتي تحجب السّماء مع هبوب ريحٍ خفيفة.

كان أهلُ المنطقة قد تلقَّوا إنذارًا منذ الأسبوع الأوّل للغارات الإسرائيليّة بمغادرة الحيّ كامِلًا. لذلك لم يكنْ بإمكانِكَ أنْ تسمعَ صوتًا واحِدًا في الأنحاء، باستثناء صدى صوتِنا يتردّد في هذا الفراغ ونحن نُنادِي: «هل وجدتَ أحدًا؟». «لا». «أيّ حاجة؟» . «لا». «فتّش كويّس». «ما تقلقش».

كان يُريد أنْ يقول لي هذا الصّوت: «لا تقلق»، مع أنّ القلقَ كان يلبسني من رأسي حتّى أخمصِ قدمَيّ، كأنّه ثوبٌ ملتصقٌ بجسدي الّذي كان يرتجفُ أحيانًا لهول ما يرى، وخفقات قلبي الّتي كانتْ تُسمَع دَقّاتها كلّما دخلتُ غرفةً من هذه الغرف المُهدَّمة البائسة.

على الجدار الّذي عن يميني قرأتُ بيتًا للشّابي يبدو أنّ طالبًا في الابتدائيّة خطّه هنا:

ومَنْ يتَهَيَّبْ صُعُودَ الجِبالِ

يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بين الحُفَرْ

انتزعتُ ابتسامةً من بين شفتَيّ، وأنا أردّد: «أيّ حُفَرٍ أسوأ مِن هذه الّتي نعيشُها هنا في غَزّة».

لم يكنْ لديّ وقتٌ طويلٌ لأتجوّل في غرف الطّابق كلّها، كان علينا أنْ نمضي قُدُمًا باحثين عن ناجين، غيرَ أنّه لسببٍ ما تجاهلتُ نِداءات صديقي، ومضيت إلى العمق، قفزتُ فجأةً مُبتِعدًا عن كتلةٍ إسمنتيّة أفلتتْ للتّوّ من السّقف الّذي بالكاد تعلّقَ ما تبقّى منه بالقُضبان النّازلة، نجوتُ بأعجوبة. خَفَقَ قلبي، لماذا عَلَيّ أنْ أمضي وسطَ هذا الرّكام الّذي ما زالتْ أجزاء منه قابلة للسّقوط في أيّة لحظة؟! خُيّل إِلَيّ أنّني أسمعُ صوتًا خافِتًا قادِمًا من العُمق. ركضتُ باتّجاه الصّوت، أو ما خُيِّلَ إِلَيّ أنّه هناك. ذرعتُ الغُرَفَ، فتحتُ الأبواب، قفزتُ فوقَ الرّكام، عبرتُ الفجوات في بعضِ الجدران، وخلال أقلّ من خمسِ دقائق كنتُ قد جُبتُ هذا الطّابقَ والّذي فوقَه دونَ أنْ أعثر على حَيّ، كانتْ هناك بعضُ ألعابِ الأطفال المُمزّقة، والمتناثرة في الأرجاء، والمُغطّاة بالغبار والأتربة.

خرجتُ من المبنى كلّه، كان أحدُ المسعفين في الأسفل يناديني وقد بُحَّ صوتُه: «علينا أنْ نبحثَ في ما تبقّى من مبانٍ، هيّا…» مضيتُ إلى المبنى المُجاور كانَ بينهما شارعٌ لم يعدْ كذلك لكثرة ما تغطّى بالرّدم والأنقاض… وفجأة تسمّرتُ مكاني، لقد سمعتُ صوتًا في المبنى الّذي تركتُه يُنادي، مسحَ الصّوتُ ظهري بيدٍ من رَجَاء، نفضتُ رأسي، وهمستُ : «لا بُدّ أنّني أتخيّل…» ، ابتعدتُ عن المكان خُطوتَين أُخرَيين، غيرَ أنّ الصّوت ناداني من جديد… توقفْتُ وضيّقتُ عينيّي: أمن المعقول أنّ هذا الصّوت…

يُتبَع…

 

[email protected]

AymanOtoom@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X