كتاب الراية

بيني وبينك.. يوميات مسعف «2»

يأتي من مكانٍ لا يُرى. بعضُ الأصوات تدلّ على الأرواح لا الأجساد. جعلتُ أصواتَ أصحابي خلفَ أُذُنَيّ، ومضيتُ للطّابق الذي ظننتُ أنّ الصّوتَ قادِمٌ منه. قفزتُ الدّرجات قفزًا. دخلتُ في العُمق. تجاوزتُ بعضَ الغرف التي أعرفُ أنّ الصّوت لم يكنْ يأتي منها، حتّى صرتُ على بابِ غرفةٍ شَطَرَ شُعاعُ الشّمسِ رَدْمَها من جهة، وشَطَرَ ظلُّ الجدار المُتهدّم نِصفَها من جهةٍ أخرى. رأيتُ يدًا تتحرّك من تحت الرّدم، كانتْ ترفع السّبابة وتُلوّح ببطءٍ مثلَ سفينةٍ غارقة يتهادَى ما تبقّى منها فوقَ الماء مع الموج. صرختُ: «إلهي.. ها هو.. أحدُهم هنا لا يزال حَيًّا». بذراعَيّ رُحتُ أُبعِدُ كُتَل الإسمنت، وبقيّة الأخشاب والحديد والأنقاض.. وأسابِقُ الزّمن لأستبقي آخر أنفاسِه كي لا تُفلِتَ منه فتبعثَه في لحظةٍ من ضِفّة الحياة إلى ضِفّة الموت.. صرتُ أُزيل الأتربة بأصابِعي وأنا أصرخ على أصدقائي في الخارج: ساعِدوني في إخراج هذا النّاجي. ولم أعرفْ حتّى اللّحظة إنْ كان رجلًا أم امرأةً، شابًا أم هَرِمًا.. لم يسمعْني أحدٌ من المُسعفين.. أزلتُ آخر ما تبقّى من الرّدم، بدا وجهه رماديًّا مِمّا غَطّاه من شظايا وأتربة.. كان الرّدم قد ملأ فمَه وعينَيه، فَتَحَهما بصعوبة، سَحَب جُزءًا من الهواء فاستعادَ جزءًا من الحياة، أتممتُ إزالة ما تراكمَ على جذعه وباقي جسده، وبحذر رفعتُه من تحتِ ظهره.. ووضعتُه على جانبٍ آمِن من الغرفة، خرجتُ صارِخًا.. تلقّاني أحدُ المُسعفين الذين كانوا يتساءلون عن سبب تأخّري، صرختُ به: «النّقّالة.. بسرعة…». أتى بها، وحملناه معًا، ثُمّ مضينا لسيّارة الإسعاف التي تبعدُ أكثر من 500 متر. لم يكنْ لها أنْ تقف في نقطةٍ أقربَ من هذه، فالشّارع الذي كان كذلك تحوّل إلى تلّةٍ من الرّكام.. كان ينظر إلى السّماء بعينَين صامِتَتين، بدا رجلًا عجوزًا في السّبعين على ما قدّرتُ.. حينَ انطلقتْ بِنا سيّارة الإسعاف إلى مُستشفى الشّفاء ظلّ صامِتًا، غيرَ أنّه مدّ كفّه لتشدّ على كفّي بحرارة، وتنطقُ عيناه بمعاني الشّكر العميق دون أنْ ينبِسَ بحرفٍ واحدٍ.. بقيتُ شادًّا على كفّه، وجرتْ بيننا دِماءٌ من المودّة، لا أدري لماذا رأيتُ فيه أبي وهو ينظر إلَيّ بهاتَين العينين الصّافِيتَين رَغْمَ ما عَلقَ حولهما من غبار… مسحتُ وجهه بالماء، فابتسم، تجرّأتُ وسألتُه: «لماذا لم تخرجْ من البيت؟». ظلّ صامِتًا، سألتُه من جديدٍ آمِلًا أنْ يقول شيئًا: «هل خرجَ أهل العِمارة قبلَ أنْ تُقصَف؟». ردّ بالإيجاب بإشارةٍ من رأسه. أعدتُ عليه السُّؤال بحرارةٍ مَشُوبة باللّوم: «لِمَ لَمْ تُغادِرْ معهم؟». حرّكَ شفتَيه، لم يكنْ قادِرًا على الكلام، قرّبتُ أذنَي من فمه، هَمَس: «كنت أريدُ أنْ أموتَ شهيدًا». قالَ ذلك وابتسم، وأردف بوهن: «لم يعدْ للحياةِ معنى». وصلت السّيارة للمُستشفى، هبطتُ أنا وزميلي بالنّقالة، وتلقّانا آخرون.. في الطّريق رأيتُ بعضَ الجُثث المُتناثرة… كان الدّمُ في كلّ مكان.

يُتبَع…

 

AymanOtoom@

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X