كتاب الراية

همسات قانونية.. البُطلان المطلق

يُبنى العقد المدني على أركانٍ ثلاثة هي: الرضاء والمحل والسبب، ويترتب على تخلفِ أحد أركان العقد بطلانه بُطلانًا مطلقًا، ويُعتبر البطلان جزاءً مدنيًا، ومن ثمَّ فإنَّ نوعه يختلف تبعًا لمنْ تقررَ البطلان لمصلحته، إذْ يُعتبر البطلان نسبيًا إذا تَعلقَ بمصلحةِ أحد المُتعاقدين، أمَّا إذا قُررَ البطلان لحمايةِ مصلحة عامة فإنهُ يُصبِح مُتعلقًا بالنظامِ العام ويُسمى بالبطلانِ المطلق، ويُعرف البطلان بأنهُ انعدام الأثر المترتب على التصرف القانوني، وبالرغمِ من الطبيعة الجزائية للبطلان إلا أنه لا ينطوي على إجبارٍ للمدين، إذْ يترتب عليه عدم الاعتداد بالتصرفات القانونية المُخالفة، وإهمال كل ما يترتب عليها من آثار، إذ يجعل البطلان المُطلق التصرف القانوني غير المشتمل على الأركان التي تطلبها القانون كأن لم يكن، أي هو والعدم سواء.

ومن أهم صور العيوب التي تلحق العقد وتستوجب إبطاله بطلانًا مُطلقًا هي حالة انعدم الرضاء، وينعدمُ الرضاء لو تمَّ إبرام العقد عن طريق شخص عديم الأهلية كالمجنون، كما تعتبر حالة تخلف محل العقد من مُبطلات العقد بطلانًا مطلقًا، ويتخلف المحل متى كانَ غير موجود أو كانَ مُستحيلًا أو كانَ غير مشروع، ويكون كذلك متى خالف النظام أو الآداب العامة، وأهم ما يُميز البطلان المُطلق أنهُ يُجيز لكلِ ذي مصلحة – ولو كانَ من غيرِ أطراف العقد- التمسك بهِ والمُطالبة بإبطالِ العقد، وذلكَ بخلاف البطلان النسبي الذي يستلزم أنْ يتمسك بهِ منْ تقررَ لمصلحتهِ فقط دون الغير؛ حتى وإنْ كانَ لهذا الغير مصلحة في إبطال العقد، كما يجوز للمحكمةِ أنْ تتمسكَ بالبطلانِ المُطلق من تلقاءِ نفسها ولو لم يَتمسك بهِ أطراف العقد أو يطلبه الغير، وذلكَ كون البطلان المُطلق يتعلق بالنظام العام وهو ما يدخل في نطاق اختصاص القضاء بحفظ النظام العام، وهو ما تناولته الفقرة الأولى من المادة (163) من القانون المدني رقْم (22) لسنة 2004.

ولما كانَ البطلان المُطلق يتعلق بالنظام العام فإنه لا يجوز إجازته من قِبَلِ طرفي العقد، إذْ إنَّ بطلان العقد مطلقًا لا يَستهدف حماية مصلحة خاصة للطرفين أو أحدهما، وإنما يستهدف حماية مصلحة عامة تتعلق بالنظامِ العام في الدولة، ولما كانَ البطلان المطلق لا يُصححه إجازته من قِبَلِ المُتعاقدين، ولا بمضي المدة، إلَّا أنَّ الدعاوى تسقط بمضي المدة، حيث حددت الفقرة الثالثة من المادة السابقة مدة سقوط دعاوى البطلان المُطلق بمضي خمسة عشر عامًا، وبخلاف البطلان النسبي الذي تبدأ مدد تقادم دعواه من تاريخِ العلم بهِ أو زوال سببه، فإنَّ تقادم دعوى البطلان المُطلق تبدأ من تاريخ إبرام العقد، ويتميز كذلكَ العقد الباطل بطلانًا مطلقًا عن العقد غير النافذ في أنَّ العقد غير النافذ هو عقدٌ صحيح فيما بينَ طرفيهِ وينتج آثاره بينهما، ولكنه لا ينفذ في مواجهة الغير.

 

[email protected]

twitter.com/MajdFirm

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X