كتاب الراية

نافذة على الإبداع.. جان ماكس ألبرت.. بين الهندسية والتجريد وفلسفة التناغم

بحسب المُعتقد السائد في الفن -وبشكل عام- أن الفنان يقترب من الاكتمال إذا أجاد فنونًا عديدة بل وأصبح من الناحية الفعلية يُحاول أن يُعبّر عن نفس الفكرة بين هذه الفنون العديدة التي يُجيدها، ومن ثم يدخل لما يُعرف بتعميم النظرية في أساليب التعبير، أي أن الفكرة نفسها يمكن أن يُعبّر عنها في فنون عدة، وبهذا الشكل يُصبح هو ذاته قالبًا ونظرية، ومُعظم الفنانين الذين ساروا على هذا النهج كان لهم إنتاج فكري وتنظيري كبير في نظرية الفن، ويقتربون أكثر من فلسفة الفن، ونعرف أن من مارسوا هذا النوع من الفلسفة لم يكونوا فنانين فعليين، وهكذا فإن الفنان الذي يتحوّل من جراء إتقانه وتجربته لمُنظّر فعلي وفيلسوف يكون أكثر عمقًا من أولئك الذين لم يُمارسوا الفن بالأساس، ولا بد أن نذكر هنا ما قاله تيودور أدورنو عميد مدرسة فرانكفورت الألمانية وأستاذ علم الجمال، حيث يقول: ولا بد للفنان أن يكون على قدر كبير من الشمولية مُلمًا بمعظم فنون عصره، لأن هذا التناغم الذي يتحقق من اختلاط الفنون ببعضها بعضًا يجعل من السهل عليه اكتشاف الجمال كجوهر في كل الفنون، ومن ثم يصبح شغله الشاغل إبراز الجمال من حيث هو القيمة القصوى والمرادة من الفن ذاته، مهما تعددت المحاور التي تشتبك معه في العمل الفني، لذا فإن التنوع يدفع الفنان دفعًا نحو الجمال وماهيته، والحقيقة أن كلام أدورنو مُسَلَّمة ضمنية سار عليها الكثير من الفنانين في معظم العصور وكان الفنان رسامًا وموسيقيًا ونحاتًا وفيلسوفًا، وهذا التنوّع هو المعين الذي شرب منه أبيلليس الإغريقي ودافنشي وبرونيليسكي وغيرهم كثيرون، أما في القرن العشرين فإن فنان اليوم جان ماكس ألبرت هو خير مثال لمذهب الشمولية في الفن والذي لم يعرفه الكثيرون الذين انشغلوا بتخصصهم الفني فقط حتى عندما قرروا إنتاج فن في مناحٍ أخرى، الكثير منهم أخفق، فهذا بيكاسو الذي كتب مسرحية كانت شهادة وفاة له في فن المسرح، فحينما فتح الستار لتبدأ المسرحية لم يكن في مقاعد الجماهير غير بيكاسو وحبيبته ومُدير الإنتاج الذي قرر أن يستمر العرض حتى نهايته وكانت نادرة من نوادر المسرح في القرن العشرين، وهكذا فإن الشمولية في الفن ملكة لا يملكها غير الذين أخذوا الفكر والعلم جنبًا إلى جنب مع الفن كمهارة، فليس لرجل لم يكمل تعليمه ولا هيكله الأكاديمي مثل بيكاسو أن يكون ناجحًا في غير مجال موهبته، ونعني بذلك الرسم والنحت والفن التشكيلي عامة، لكن فنان اليوم الفنان الفرنسي الكبير والفيلسوف جان ماكس ألبرت، يطلق مؤرخو الفن عليه ألقابًا عديدة مثل الفيلسوف والمعماري وصاحب التناغم وهكذا، ويرجع ذلك إلى أن جان ماكس ألبرت درس الفن دراسة وافية وكان صاحب موهبة كبيرة فمارس الرسم المعماري والرسم العادي والموسيقى والنحت فكان من حلقة بول كيلي وإدجار فارسي وهي حلقة كان أعضاؤها فنانين يستطيعون أن يُمارسوا الفن ويفلسفوه وينظروا من خلاله، ويعود ذلك كما قلنا لسعيهم نحو الاكتمال.

 

 

[email protected]

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X