المنتدى

النظام السوري والمحاكم الدولية

بقلم/ رندة تقي الدين:

 أصدرت محكمة فرنسية مُذكرة توقيف دولية بحق الرئيس بشار الأسد وشقيقه ماهر قائد الفرقة الرابعة في القوات السورية وعميدين آخرين بتهمة التواطؤ في جرائم ضدّ الإنسانية إثر هجمات كيميائية اتهمت دمشق بشنّها في صيف 2013. ثم أصدرت محكمةُ العدل الدولية قرارًا يُطالب الحكومة السورية بوقف التعذيب والمُعاملة القاسية في البلاد بعد اتهامات وأدلة على مُمارسة النظام أنواعًا قاسيةً من التعذيب خلال الحرب الأهليّة التي بدأها الرئيس بشار الأسد على شعبه في 2011.

وقالت المحكمة ومقرها لاهاي إن على سوريا أن تتخذَ إجراءات فعّالة لمنع إتلاف الأدلة وضمان الحفاظ على جميع الأدلة المُتعلقة بأعمال التعذيب وغيرها من المُعاملة القاسية واللاإنسانية أو المُهينة. وقالت حكومتا كندا وهولندا اللتان قدمتا الشكوى في بيان مُشترك إن محكمة العدل الدولية أقرت بمدى خطورة الوضع والضرر الذي يتعذر إصلاحه والناتج من الاستخدام المُتكرّر للتعذيب وغيره من أنواع سوء المُعاملة في سوريا ضد شعبها.

هذه المحاكم الفرنسية والعدل الدولية استمعت إلى شهادات مُعتقلين سوريين وصفوا فيها وحشية عمليات التعذيب، وطلبت كندا وهولندا وقف كل أشكال التعذيب والاعتقال التعسفي في سوريا وفتح السجون أمام مُراقبين دوليين وتبادل المعلومات مع العائلات بشأن مصير أقاربهم.

إن أهالي اللبنانيين المخطوفين في سوريا منذ الحرب الأهلية ما زالوا يُطالبون حتى اليوم بمعرفة ماذا جرى لأبنائهم وأين هم وهل ماتوا تحت التعذيب بما أنه النموذج المُعتمد من نظام الأسد الأب والابن. كما أن سلسلة الجرائم والتفجيرات التي قتلت الأبرياء في لبنان، في طليعتهم رئيس الحكومة رفيق الحريري، وجبران غسان تويني وسمير قصير، نُفذت بطلب من النظام السوري الذي لن يُغيّرَ نهجه طالما هو في السلطة، وخصوصًا أنه أعيد دخوله إلى الجامعة العربية دون ترحيب قطري بهذه الخُطوة. فالدول العربية التي أرادت التطبيع مع الأسد لم تحصد شيئًا من التزامه لها.

فالأردن التي كانت تُحبّذ إعادة الأسد إلى الجامعة العربية بعد خطوات تدريجية -يظهر أنه يقدمها إلى أشقائه العرب- رأت بسرعة أنه غير مُلتزم بتوقيف تهريب الكبتاغون عبر حدود البلدين وعبر لبنان، الكبتاغون يُموّل النظام، فكيف سيلتزم بوعده؟!.

طلب من بعض الأشقاء العرب الذين أبدوا تساهلًا معه تقديم مبالغ باهظة مُقابل وقف الكبتاغون ولكنه لم يحصل على شيء، لأن النظام تحت عقوبات أمريكية ودولية لا أحد يستطيع أن يُقدّم له مالًا ولا أن يُعيدَ إعمار بلد دمرته حربه على شعبه.

عدد كبير من المُعتقلين في السجون السورية استطاعوا خلال الحرب الفرار من السجون والخروج إلى الدول الأوروبية منها ألمانيا. فقبل أن تُصدر المحكمة الفرنسية حكمها بعد شكوى أحد المُعتقلين السابقين صدر حكم مُماثل في ألمانيا بعد شكوى مُعتقل سابق لجأ إلى ألمانيا واستطاع أن يحصلَ على الحكم المُماثل، عمليات الإجرام والتعذيب تظهر إلى العلن ولكنها لسوء الحظ لا تنال دائمًا العقوبة المُستحقة.

فمثلًا ما يجري حاليًا من قصف إسرائيلي وحشي على غزة وضرب المُستشفيات وقسم الولادة والتفجير وقتل الشعب الغزاوي وتجويعه وحرمانه من الماء والخبز والكهرباء والوَقود هو دون أي شك خرقٌ لما يتحدث عنه القادة الأوروبيون والقانون الإنساني الدولي.

فالأوروبيون ورئيسهم جوزف بوريل يُكرّر هذه الجملة التي أصبحت فعلًا سخيفة «إن من حق إسرائيل أن تُدافعَ عن نفسها ولكن باحترام القانون الإنساني الدولي». فهو نداء مُضحكٌ مُبكٍ إزاء ما تقوم به إسرائيل على مُستشفيات وأبناء غزة. فإسرائيل مثل النظام السوري لن يمثلوا يومًا أمام أي محكمة عدل دولية، لأن الولايات المُتحدة والعالم الغربي يحمون إسرائيل من أي عقوبة، كما تحمي روسيا النظام السوري من أي مُلاحقة. فالمأساة هي للشعب الفلسطيني وللمدنيين السوريين الذين ليس لديهم آفاق أو بريق أمل بأن الأمور قد تتغير لمُستقبلهم إلى الأفضل.

صحفية لبنانية

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X