المنتدى

زهرة الخَشْخَاش

بقلم/ سامي كمال الدين:

 يمشي الشعب الأوروبي، والشعب البريطاني على وجه الخصوص في الشوارع في هذا الشهر من كل عام مُعلقًا وردة حمراء على صدره بجوار قلبه، يحملها في كل مكان في المصانع، المُستشفيات، المدارس، يُعلقها الملك في قصر بكنجهام ورئيس الوزراء في 10 داوننج ستريت والمُزارع في أرضه.

تُسمَّى هذه الوردة الحمراء زهرة الخَشْخَاش ويُطلق عليها في بعض البلاد العربية شقائق النعمان، أما في بريطانيا فتُسمّى poppy flower فما سر هذه الزهرة الحمراء؟!

يُقام احتفال سنوي في الحادي عشر من نوفمبر من كل عام احتفاءً بذكرى الجنود الذين سقطوا أثناء الحرب العالمية الأولى، وخصص له يوم 11 نوفمبر لأنه اليوم الذي تم فيه توقيع هدنة بين ألمانيا ودول الحلفاء لإيقاف الحرب، إنهم يُخلّدون ذكرى الجندي المجهول خلال المعارك التي راح ضحيتها ملايين من البشر في العالم.

يبدأ بيع هذه الزهور في أواخر شهر أكتوبر وتستمر حتى 11/11 ويذهب رَيْعُها إلى أسر المُحاربين القُدامى.

صاحب الفكرة الملك جورج الخامس (1865-1936) ملك بريطانيا العُظمى وأيرلندا وإمبراطور الهند الذي كان يُفكر في طريقة من أجل تكريم ضحايا الحرب العالمية، قرر أن تقفَ بريطانيا دقيقتين من الصمت في الساعة التي حددت فيها الهدنة بين القوات المُتحاربة، تتوقف الحياة كليًا عن العمل، وكانت هذه الساعة هي الساعة 11 يوم 11 من شهر 11 من كل عام.

تُقام احتفالية يُشارك فيها ملك إنجلترا وعدد من أعضاء العائلة المالكة والساسة والزعماء والأحزاب.. لكن ما علاقة زهرة الخَشْخَاش بكل هذا.. ما علاقة هذه الزهور بالحرب العالمية وضحاياها..؟!

في الثالث من مايو عام 1915 ذهب الشاعر الكندي «جون ماكريه» لحضور جنازة الجندي «أليكسس هيملر» الذي كان زميله في الجيش، وقتل في معركة إيبر الثانية في بلجيكا، فجاءته فكرة قصيدة عنونها ب «في حقول الفلاندرز»-In Flanders Fields – لكنه مزقها لأنه لم يكن راضيًا عن مُستواها الفني، فقام زملاؤه من الجنود بجمعها، ونُشرت في 8 ديسمبر 1915 في مجلة punch اللندنية.

تبدأ القصيدة بشطر من الشعر يقول:

In Flanders fields the poppies blow

في حقول الفلاندرز انفجر الخَشْخَاش

كرر الشاعر جملة الخشخاش أكثر من مرة في قصيدته، ومن هنا جاء المعنى وحضور الزهرة في ذكرى الاحتفال بالجندي المجهول.

المُدهش أن نفس الشهر الذي يحتفل فيه الشعب البريطاني بالسلام وإيقاف الحرب هو نفس الشهر الذي قامت فيه السيدة سويلا برافرمان إلين كاسيانا فرنانديز وزيرة الداخلية البريطانية بالتعرض بالنقد للمُتظاهرين في شوارع بريطانيا المُطالبين بالسلام وإيقاف حرب غزة والتوقف عن قتل المدنيين، بل تجاوز موقفها الناقد للمُظاهرات إلى الشرطة البريطانية نفسها، المُحامية والسياسية والنائبة البرلمانية وزيرة العدل، المُدعي العام، التي أصبحت وزيرة للداخلية كان المُتوقع أن تكونَ الأكثر انحيازًا لحقوق الإنسان كتبت مقالًا في صحيفة التايمز اتهمت فيه الأمن البريطاني بالتحيز ومُحاباة المُتظاهرين، حسب قولها «تساهل الشرطة مع المُتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين مُقابل التشدد مع المُظاهرات اليمينية»، وهو ما عرّض رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك لضغوط كبيرة انتهت إلى إقالة سولا من منصب وزيرة الداخلية، أيضًا في شهر نوفمبر لكن عام 2023 حيث يبحث العالم عن هدنة- هدنة أيضًا!- لإيقاف الحرب من أجل مرور الطعام والشراب والأدوية ومُستلزمات الحياة للشعب الفلسطيني داخل قطاع غزة وإخراج الرهائن الإسرائيليين وإعادتهم إلى تل أبيب، انتقدت برافرمان الشرطة لأنها سمحت بتنظيم مُظاهرة في ذكرى يوم الهدنة تُطالب بهدنة أيضًا من أجل إيقاف الحرب في فلسطين، وهي المُظاهرات التي وصفتها سابقًا بأنها «تنشر الكراهية في شوارع لندن» فهل يرقى العالم ويستعيد إنسانيته ويُعيد السلام ويوقف هذه الحرب اللعينة التي ذهب ضحيتَها حتى الآن الآلافُ من المدنيين ولم يمر سوى شهر واحد وعدة أيام عليها؟!

إعلامي مصري

@samykamaleldeen

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X