كتاب الراية

فيض الخاطر.. المُعلم.. مُربّي الأجيال

يحتفلُ العالَمُ بالمُعلم سنويًا، وفي ذلك احتفاءٌ بالتعليم والمُعلم معًا، التعليم باعتباره ضرورةً حياتيةً مُلحةً، والمُعلم باعتباره سلطانَ هذا التعليم، وقائدَ مسيرته، والمُمسك بزمام أمره، وتوجيهه إلى المسارات الصحيحة التي تخدم التنمية وتستجيب لمُتطلباتها، والمُعلم كان ولا يزال محل تقدير تلاميذه، فهو يُنير لهم طريق المعرفة، ويفتح أعينهم على خفايا العلم، وما يضمه من تجارِب إنسانية برزت عبر التاريخ، وأسهمت في تطور المُجتمعات وازدهار الأمم، وما من حضارة إلا وكان المُعلم من روّادها، وما من نهضة إلا وللمُعلم دوره البارز في تحقيقها، وصَدق من قال:

ما أشرقت في الكون أي حضارة

إلا وكانت من ضياء المُعلم

وقد بلغت درجة احترام المُعلم حدًا يجعل تلاميذه يحلّونه محل الأب الثاني لهم لأنه معني بتعليمهم وتربيتهم بالقدر الذي يُضاهي دور الأب والأم في هذا الشأن، وكثيرًا ما سمعنا عن مُعلمين ومُعلمات كانت مواقفهم من تلاميذهم تُسجَّل بأحرفٍ من نور، لما اتسمت به من تعاطف وتراحم ومُشاركة في تسهيل أمور الحياة لهم ولأسرهم المُحتاجة، وتقديم يد المُساعدة لمن لا تسمح ظروفهم بمواصلة التعليم، لكي يتمكنوا من مواصلة تحصيلهم العلمي نتيجة تلك المُساعدة.

وإذا كانت العملية التعليمية تستند إلى ثلاثة أسس هي: المُعلم والمبنى المدرسي والمُقرّر المدرسي، فإن المُعلم هو الأساس الأول، إذ يمكن الاستغناء عن المبنى – في حالة الضرورة – والتعليم حتى في العراء، كما يمكن الاستغناء – في حالة الضرورة أيضًا – عن المُقرّر ليُحدّد المُعلم مُقررَه بنفسه، وبذلك يُصبح هو الركيزة الأساس في العملية التعليمية، وبقدر صلاح المُعلم وحرصه على أداء رسالته التعليمية يصلح المُجتمع، فهو القدوة في السلوك، والمثال في التصرّف، وتأثيره على تلاميذه لا يختلف كثيرًا عن تأثير الأب، وفي بعض الحالات، يكون المُعلم أكثر حرصًا وجديةً على التعليم من الأب ذاته.

وما من واحد منا إلا ويحمل بعض الذكريات الجميلة عن علاقته بمُعلمه أو مُعلمته، حتى تلك الذكريات التي قد تكون قاسيةً عليه في البداية فإنها غالبًا ما تُصبح دروسًا لا تُنسى في حياته، يستلهم منها الصواب في عمله، ويسترشد بها في عدم تَكرار الخطأ في حياته، والدروس العملية هي كالدروس العلمية إذ يمكن أن يستفيدَ منها التلميذ حين يؤسسَ بها لمُستقبل تكون فيه سلاحًا لمواجهة تحديات شرسة قد يسوقها الزمن في طريقه. وما قيل عن المُعلم من أشعارٍ وما كُتب عنه من أقوال.. أمر لا يمكن حصره.. وهو يفوق كل ما كُتب عن أصحاب المهن الأخرى، لأن رسالة المُعلم ذات هدف نبيل، حين يقود الإنسان إلى مدارج الرقي والتقدم للإسهام في البناء الحضاري والتنموي الشامل.

وتكريم المُعلم واجبٌ وطنيٌ.. اعترافًا بفضله في بناء الأجيال الجديدة من رجال المُستقبل.

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X