المنتدى

التاريخ لا يَنْسَى ولا يُنسَى

بقلم /د. أيمن العتوم

 

لا ينسَى إلاّ ذو بالٍ مُطمئن، ونفسٍ راغبةٍ بالعيشِ في عالَمها الخاصّ. وأمّا الّذين لهم مع الصّهاينة تاريخٌ فأنّى لهم أنْ ينسَوا!! إنّ نهر الدّم واحدٌ، ابتدأ خيطُه الّرفيع يتدفّق منذُ عام 1917م؛ وعدٌ مِمّن لا يملك الأرض إلى مَنْ لا يستحقّ. إنّ مَنْ يظنّ أنّ الصّهاينة جاؤوا إلى هذه البلاد واغتصبوها بالوعود فحسب واهمٌ كذلك، لقد شربوا من دمائِها فوقَ الارتِواء، وشّردوا من أهلها فوقَ الأعداد، وأكلوا من لحوم ضحاياها فوقَ الشِّبَع. ولو أنّكَ أخذتَ من هذا النّهر في كلّ مُنعطفٍ من مُنعطفاته قطرةً واحدةً، ومن هذا الخيط شبرًا واحِدًا لرأيتَ أنّ هذا الكِيان قامَ على وحشيّة وانتِقامٍ وسفكٍ لا يُقارَن في بشاعته بأيّ احتِلالٍ آخر. كانتِ العصابات الصّهيونيّة تتسابق إلى ذَبْحِنا؛ فعِصابة (الإنسل) في أواسط الثّلاثينيّات من القرن المنصرم كانت تقتحم الأسواق الفلسطينيّة فتفجّرها بدمٍ باردٍ فتقتل في كلّ تفجيرٍ عشرات الشّهداء. وكانتْ تدوس حرمة المساجد فترزع فيها العبوات النّاسفة أيّامَ الجُمع أوقاتَ الذّروة لتُوقِع أكبرَ عددٍ من الشّهداء. وكانتْ عصابة (الهاجاناة) تدخل القرى الوادعة الآمنة فتختطف العشرات من سُكّانها وتقتلهم بالرّصاص أو تذبحهم ذَبْحَ الشّياه. وتخصّصتْ عصابة (البالماخ) في تنفيذ عمليّات القتل والحَرق والإبادة في شَمال فلسطين، فكانتْ تدخل القُرى والمُدُن، فلا تبقى لهم باقية. وكانتْ عصابة (شتيرن) ترى أنّه لا سبيل إلى الاستيلاء على أرض فلسطين إلاّ بالقوة العسكرية. وأنّه لن يتحقّق حلم إنشاء الدّولة إلا بالتخلّص من المُحتلّين العرب، وإبادتهم. وتوافقتْ عصابة (الأراجون) مع عصابة (شتيرن) على تنفيذ المذابح الكُبرى، فارتكبوا – على سبيل المثال – مذبحة (دير ياسين) عام 1948م الّتي سقطَ فيها مِئاتُ القتلى، ومذابحَ أخرى لا تُحصَى. أمّا العصابة الأكثر دمويّة من بين هذه العصابات فهي عصابة (الهاجاناة)، وقد ضَمّت المُؤسسين والرّوّاد الآتين: ديفيد بن جوريون، وإسحاق رابين، وموشي دايان، وشمعون بيريز، وأرئيل شارون. والغريبُ أنّهم جميعًا كُوفِئوا على القتل، فكانَ مَنْ يقتل أكثر يصعد أعلى، فصار أربعةٌ منهم رؤساء حكومة الكِيان المحتلّ، و(دايان) صار وزيرَ دفاعٍ. بل إنّ أحدَ أشهر قتَلَتِهم وهو (رابين) مُنِحَ جائزة نوبل للسّلام!!
وأمّا رئيس وزرائهم اليوم (نتنياهو) فهو لا يختلفُ في دمويّته عن أسلافِه، فالكيان كلّه قام على القتل الوحشيّ المُمَنهجِ. نتنياهو هذا كان قائدَ سربِ طائرات في معركة الكرامة عامَ 1968م وأعملَ الذّبَح والقصف للبيوت وللمساجد في غور الأردنّ. إنّه نهرٌ طويلٌ من الدّم، كانتْ حرب غزّة اليوم استمرارًا له، ثُمّ بعدَ هذا يأتيكَ مَنْ يريدُ السّلامَ معهم، كيفَ لعاقلٍ أنْ يقبلَ ذلك؟ بل كيفَ لِمَنْ كانَ في قلبه ذرةٌ من حياءٍ أو إيمانِ أنْ يُفكّر في ذلك. إنّ التّاريخَ لا يَنسَى ولا يُنسَى، ويوم الثّارِ قادمٌ.

AymanOtoom@

 

[email protected]

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X