المنتدى

العودة إلى القواعد !

بقلم /سليم عزوز ( كاتب وصحفي مصري )

 

هذه حربٌ ليست كسابقتها من الحروب، التي خاضتها إسرائيل ضد غزة، ولهذا فلم يكن غريبًا أن نُشاهدَ تحوّل اثنين من المُثقفين، في الموقف من إسرائيل والحرب والمُقاومة والسلام، إن شئت الدقة فقل عادا إلى قواعدهما.
نُطالع ما يكتبه د. مأمون فندي عبر صفحته على «تويتر» انحيازًا للمُقاومة ورفضًا للعدوان فيدهشنا، ولا أقول ضد القضية الفلسطينية، فظني أن العربي الأصيل وهو يحيد عن طريق الجادة لا يعتقد أنه يخون قضية فلسطين، فالبعض يعتبر أن مُنظمة التحرير وما تُحدده هو بوصلة القضية، ولا يمنع هذا من أن هناك من كانوا سابقين على هذا التصوّر، فالرأي هو ما يعقده الحاكم، إن قال عداءً، فإعادة نشر ما تنشره الصحافة العبرية يكون تحت عنوان «اعرف عدوك»، وإن قال سلامًا، يتغيّر العنوان إلى «اعرف جارك»!
وهناك من استمرّوا على موقفهم حتى مع السلام الذي أبرمه السادات، لكن عندما قررت سلطة مُنظمة التحرير الدخول في المُفاوضات، تحوّلوا إلى دعاة سلام، ويُحاربون بنفس القوة التي كانوا يُحاربون بها إسرائيل، أولئك الذين يُريدون دخولنا في الاستسلام كافة!
لقد صدرت عن مؤسسة «الأهرام» مجلة «الطليعة» في عهد عبد الناصر لتكونَ تعبيرًا عن «اليسار الوطني» بإشراف المُناضل اليساري لطفي الخولي، وكان العداء لإسرائيل هو موضوعها، وقد أوقفها السادات بعد ذلك، فقد استمر خط الخولي في رفض مُعاهدة السلام ورفض التطبيع مع إسرائيل، قبل تحوّله بتحوّل ياسر عرفات!
وهي مرحلة شهدت كثيرًا من تحوّلات لمُثقفين كانوا يُعلنون الحرب قبل قليل، فصاروا يعتقدون بالقدرة على صنع السلام، وقال لي الراحل علي سالم، إن دور المُثقف هو المُساهمة في صناعة السلام، إذ كانوا يعتقدون أن السلام صار أقرب من المِنطقة من حبل الوريد!
وقد نقل لي صديق مُشترك أن الرجل في آخر عمره، استقر في وجدانه أن تصوّراته لم تكن حقيقية، لكن لم يكن بإمكانه أن يُغيّرَ قناعته، فقد كان قد تورط، ولم يلتزم خصومه بالنصيحة الغالية: «لا تُساعدوا الشيطان على أخيكم»!
وهذه التحوّلات مع ما تتركه في النفس من أسى، لكن لم تكن قناعات أملتها خيانة، فالبعض كان في هذا الاتجاه استسلامًا لقدرة إسرائيل التي لا قِبل لنا بها، دون أن يكون هدفهم تحقيق أي مصلحة تُذكر!
ذات ليلة في عام 1998 زرت النائب بالبرلمان، والمُحامي، وأحد الضباط الأحرار، أبو الفضل الجيزاوي في مكتبه، وأدهشني الرجل وقد أعلن تحوّله، فلم يعد مؤمنًا بضرورة المواجهة مع إسرائيل، ولكن بضرورة السلام معها، وكيف أنه يستقبل إسرائيليين في مكتبه لصناعة السلام، ولم يكن الرجل باحثًا عن شهرة من وراء هذا التحوّل، فما جرى في حدود فكره ومكتبه، وإزاء نظرة التأمل الطويلة الفاحصة له، قال مازحًا بعد السلام الشامل ستأتي الإسرائيليات للقاهرة، وهن يحببن «حبة السمار» هذه.. كان يتحدث عن لون بَشَرَتي!
تأملي له لم يكن لأن الدهشة عقدت لساني، ولكن على حال الدنيا لأن الرجل كان من نوّاب البرلمان الذين رفضوا كامب ديفيد عند عرضها على مجلس الشعب، ومن أجل موقفهم وربما تأديبًا لهم حلَّ السادات البرلمان وجيء ببرلمان جديد، كان التصوّر ألا يفوز أحد من المُعارضين للاتفاقية، لكن لأن التزوير كانت له أصول حاكمة، فإن مُرشحًا أو اثنين منهما فازا في الانتخابات!
لا نقول «لو» لأنها تفتح عمل الشيطان، ولولا ذلك، لقلنا إن من ذهبوا بعيدًا بعد ذلك، كانوا سيعودون إلى قواعدهم في هذه الحرب، عودة مأمون فندي، وأسامة الغزالي حرب والأخير كان من الدعاة الكبار للتطبيع!
لأن هذه الحرب جاءت كاشفةً لصورة ربما كانت تُلتقط من بعيد لجرائم الصهاينة، لكنها الآن من قريب، فضلًا عن ضخامة الجرائم المُرتكَبة، والقوم يقومون بعملية إبادة كاملة للفلسطينيين في غزة لا يرقبون فيهم إلًا ولا ذمةً!
أشاهد استهداف المُستشفيات والأطفال والعوائل، فأتذكر مُقابلةً صحفيةً مع صديقنا الراحل المُستشار محمد سعيد العشماوي، قال فيها إن صراعنا مع إسرائيل صراع حضاري، ووضع كتيبًا يحمل هذا العنوان، كان التصور العام، هو أن إسرائيل دولة حضارية مُتقدمة، بينما نحن على العكس من ذلك، فهل لو عاش كان سيظل على هذه القناعة. محفوظ أسامة الغزالي حرب لأن الله أمد في عمره، حتى يعلن براءته من تاريخ طويل، ومواقف مثلت عنوانًا له.
وإذ استشعر مأمون فندي سؤال الناس عن هذا التحوّل لدرجة أن يصطف مع المُقاومة الإسلامية، فشرح نشأته وبذور التصوف بداخله. وقد كان يساريًا مُنتميًا لحزب التجمع، قبل أن يُصبحَ ابنًا للحضارة الغربية، ومع أنه الآن يقف على خط النار في مواجهة العدوان الإسرائيلي، فلا أعتقد أنه قد تحوّل ولكن عاد إلى قواعده، فالجينات غلابة، والطبع غلب التطبع، والدعوة للتطبيع تبين أنها مع وحشية مُكتملة الأركان!
إنها حرب ليست كسابقتها من الحروب!

 

[email protected]

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X