كتاب الراية

همسة في التنمية …. هل التحرُّر هو الحرية أم نقيضها؟

إنّ مفهوم الحريّة هو مفهوم واسع وكذلك التحرّر، ومهما اختلفت النظرة إلى ممارستها فهناك مبدأ واحد: ما مِن حريّة مطلقة، فالحرية هي تعبير عن مفهوم نسبيّ تبعًا لعوامل متعدّدة وأهمّها نظام المُجتمع الذي يعيش فيه والتربية وغيرها من عوامل عدة، ولذلك فالحرية والتحرر هما مفهومان ظاهريان متشابهان، ولكن يوجد فرق بينهما في معناهما الأعمق.

  1. الحرية: هي حالة التمتع بالخيارات والقرارات بدون أي قيود، بمعنى القدرة على التفكير والتحدث والتصرف بما يتناسب مع الذوق العام من دون مخاوف من التقييد وتبعياته من مواجهة ممارسات تمتاز بالعنف السلوكي.
  2. التحرر: هو تعبير عن العملية أو الرحلة نحو تحقيق هذه الحالة من الحرية، والتي تتضمن التحرر من أي قيود أو ضغوط، تمنع الفرد أو المجتمع من التمتع بممارسة الحريات الثقافية، وهي عملية ليست ثابتة، بل عملية مستمرة ومستمدة من التطور الثقافي للمجتمع المدني.

في العمق، التحرر هو السعي نحو الحرية، بينما الحرية هي هدف ونتيجة هذه العملية.

للحريَة مفهوم ومعنى، ووقع مميَز في القلوب والأذهان كما في الآذان، لذلك يعتبر الوقوف على هذا المفهوم ومشتقاته -مثل التحرر والتحرير توضيحًا للمفاهيم وتصحيحًا للأفهام وتفنيدًا للكثير من الأوهام- أمرًا في غاية الأهمية، خصوصًا بالنسبة للأمم والشعوب التي عانت ولا تزال تعاني من الاستبداد ورديفه الفساد.

فالتحرُّر على وزن تفعُّل، وهذا الوزن يفيد رجوعًا على النفس وانعكاسًا، فالتحرُّر موضوعه الإنسان وهو مشروع نضال بهدف التخلص من أصفاد يحملها الإنسان بحكم العادة والتقليد والوراثة، أو بسبب الأنانية والجهل والخوف، لأن من أسباب الاستسلام والركود الخامل والتنازل عن الحرية تقطُن في الجذور النفسية والعقلية والاجتماعية والسياسية التي تمتاز بها الشعوب، وتتلخصُ في النقاط التالية:

أ‌) الأنانيات: كل فرد شغلته نفسُه وشهواته، أو أمواله، أو جاهه الاجتماعي، أو وظيفته يريد الرقيّ فيها، إلى ما شابه، قال الله تعالى (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا).

ب‌) الذهنيَّات: مدى الوعي للواقع، مستوى الجهل، تضليل إيديولوجي.

ت‌) العادات: التصاقٌ بالمألوف الساكن، بالترف، رضا بالواقع، خنوعٌ موروث.

خلاصة الأمر، أن التحرر في المرحلة الأولى يمثل ابتداءً لتأسيس الحرية، والمرحلة الثانية ثمرة ونتيجة، فلا تحرير بلا تحرُّر، وفاقد الشيء لا يعطيه وكل إناء ينضح بما فيه، فمن لم يتَرَبَّ في محاضن الإيمان تحررًا من الشبهات والشهوات، وثار على الظلم في الميدان تحريرًا للأوطان من الطغيان، سرعان ما يقع في فخ الإذلال والأسر، طال أو قصر الزمان.

خبير التنمية البشرية

Instegram: @rqebaisi

Email: [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X