كتاب الراية

تجربة حياة.. المقارنة مع الآخرين.. من النزعة البشرية إلى فخ الاستنزاف

لماذا وبصفتنا البشرية ننزع بطريقة ما إلى أن نقارن أنفسنا مع الآخرين؟

نميل -إلى حد يتفاوت بين شخص وآخر- إلى تقدير ما لدينا مقابل ما يمتلكه الآخر؟

إلى تقييم ما ينقصنا على مقياس ما هو متوافر لدى الآخر؟

لأننا بشر، نميل بصفتنا هذه إلى أن ننتهج كل ما من شأنه أن يلبي فينا رغبة الإحساس بالترابط والانتماء على اختلاف أوجهه، والمقارنة هي أحد تلك الأوجه. نعم إن المقارنة كعنوان بسيط بذاته هي نزعة طبيعية للتطلع نحو الآخر وذات أثر إيجابي للتقدم والتطور متى ما بقيت في إطار جرعتها الصحية ولم تتخطاها إلى أي حد زائد يجعل ضررَها أكثر من نفعها فتصبح بالقياس حرامًا..

النفع في المقارنة أنها بالفطرة، نزعة بشرية إيجابية تشكل منظارًا يتيح لنا أن ندرك أين نحن الآن بمقدراتنا مما نتطلع إلى الوصول إليه أو تحقيقه مستقبلًا، متمثلًا بإنجاز أو فكر أو هدف من أي نوع كان استطاع أن يحققه من نقارن أنفسنا معه سواء بصفته مثالًا نحتذي به، أو شخصًا ما حقق ما لفت – على حسب اهتمام كل منا – انتباهه وأثار إعجابه فأراد أن يحقق لنفسه ما استطاع أن يحققه غيره.

والمقارنة بالمفهوم السابق هي مرآة تعكس بالجزء المقارن مع الآخر الحلم على حقيقته والكيفية التي هو عليها على أرض الواقع، الأمر الذي يمكننا من النظر إليه بالمقارنة تلك، نظرة واقعية نطلع من خلالها على ما قد يضيفه تحقيقه في حياتنا من إيجابيات وما سنتحمل وزره من عناء وتضحيات، فنتأكد أمام وضوح الصورة بالمقارنة، إذا ما زلنا نريد تحقيق الحلم فعلًا، وأن نستكشف إزاء تحقيقه ما لدينا من مواطن ضعف وما نتمتع به من مكامن قوة، وما يقتضينا اتخاذه من خطوات ومن تدعيم وتعزيز في الأداء والمهارات لنغدو على أفضل نسخة تجعل من ذلك الحلم حقيقة.

إلا أن المقارنة هي مما ينطبق عليها «قليله نافع وكثيره مضر» ، قليله إلى حد التشجيع والتحفيز ونقطة انتهى.. أما كثيره فهو ما تجاوز هذا الحد دون تنبه واحتراز، فتنقلب المقارنة من نزعة طبيعية صحية إلى عادة مدمرة تستدرجنا إلى فخ يستنزف ثقتنا بأنفسنا ويولد فينا الشعور بالدونية، والإحساس بأن الجميع أفضل منا، فإذا بالأثر المحفز والمشجع يتحول إلى عامل إحباط وتثبيط وتدمير ذاتي.

إن أهم رادع يحمينا من استدراج أنفسنا إلى فخ المقارنة وتأثيره، هو أولًا وأساسًا معرفة أن لا أحد في هذا العالم لديه كل شيء على الإطلاق مهما امتلك ومهما حقق ومهما برز. الكل لديه صراعاته مع الحياة ومعاركه الداخلية التي لا نعلم عنها شيئًا. لكل منا معطيات في رحلة حياته لا تتطابق مع معطيات أي أحد آخر مهما بدت متشابهة. وبأنه في آخر المطاف لكل منا تعريفه الخاص عن النجاح والذي لا يمكن أن يتحقق دون ثمن يُدفع مقابله، لأن الحياة لا تمنح شيئًا بالمجان، فلو علمت مثلًا الثمن الذي يتحمله من تتطلع إلى تحقيق نجاحات مثله لربما عدلت عما تريده لأنك اكتشفت ببساطة عدم استعدادك لتحمل الثمن الذي يقابل تحقيق حلمك.

لا بد أن يكون لك تعريفك الخاص عن النجاح وأن تنطلق بتعريفك وحده لتعيش حياتك بالتوافق معه ومع قيمك وأفكارك ومبادئك، فتعبّد لسعيك مسارًا صحيحًا يحقق لك بكل خطوة الانسجام الفكري والرضا الذاتي دون أي استنساخ من حياة الآخرين من شأنه أن يشتت ويؤخر ويستنزف طاقتك ووقتك على ما لا يمت إلى ما يتناسب مع أفكارك ومع شخصيتك ومع مبادئك بأي صلة.

لا تجعل المقارنة تستنزفك، احرص على النظر لمواهبك وإمكاناتك بعين الفرادة والتميز، وإلى قوتك على المضي والتقدم كعلامة فارقة مفصلة على مقياس معطياتك ومقدراتك أنت وهو المقياس الصحيح الذي لن يحملك أكثر من وزرك فكرًا وعملًا، ولا تعطي المقارنة أكثر من دورها الإيجابي بالاستئناس والاستدلال وأخذ العبر من تجارب الغير فقط لا غير.

لكل منا مقعده في رحلة الحياة ودوره القادر على تأديته على أفضل وجه متى ما وثق بنفسه، وتجنب تقييمها بمقارنة أسوأ ما يعتقده فيها وفي حياته من عيوب مع أفضل ما يتصوره عن حياة الآخرين، لأنها مقارنة مُجحفة لا تصلح وتضع حقيقة الأمور في غير موضعها ولا تؤدي إلا إلى عملقة الآخرين وتعظيم إنجازاتهم في مقابل تقزيم أنفسنا والتقليل من أهمية ما نحن عليه.

 

مدربة حياة – Life Coach

 

@ranasibai14

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X