كتاب الراية

الباب المفتوح …. الحرب وتعقيداتها الاقتصادية والأخلاقية

عندما يتعلق الأمر بالحروب لا يعود هناك حساب للربح أو الخَسارة من الناحيتين المالية والاقتصادية، فلا يؤخذ التضخم ولا أسعار فائدة ولا مُعدلات بطالة ولا أي مؤشر من مؤشرات الاقتصاد، وهناك عدة أسباب وراء ذلك، من أهمها أن تكلفة الحرب بحد ذاتها تفوق بمراحل الخسائر الروتينية في الأوضاع العادية، وللإشارة فقط عن جانب من هذه التكاليف والتي سنشرح لاحقًا سبب ذكرها فإن سعر طائرة F16 Falcon وهي من أرخص أدوات الحرب وأكثرها فاعلية يصل إلى 30 مليون دولار، علمًا أن سعر شراء المُقاتلة، أو قاذفة القنابل، أو المروحية ليس سوى البداية فقط في الأموال المُخصصة لها؛ حيث إن سعر الشراء يساوي 30% فقط من إجمالي تكلفة الطائرة، حيث تصل تكلفة الطلعة الجوية الواحدة بدون عمليات عسكرية إلى 35 ألف دولار وتحمل في كل طلعة ستة صواريخ جو أرض بتكلفة مُستقلة، مع فريق دعم أرضي مُستقل، وكذلك الحال في سلاح الدروع والهندسة والبحرية وباقي الأركان وتفرعاتها، وشاهد الذكر هنا أن الدول تُنفق أموالًا طائلة على الجيوش وإدامتها وتسليحها، وأجهزتها الأمنية، لتكون في حالة جهوزية إذا استدعت الحاجة، وبنفس الوقت تكون هذه الجيوش بكل تكاليفها ومُكوّناتها سالفة الذكر هي أدوات ردع ذات كلفة ضخمة ومُستمرة، وفي حال الانخراط في الحروب تسقط كافة معايير التكلفة للوصول إلى الهدف، والهدف من المُقاربة هنا هو أخذ صورة ثابتة للجيوش العاملة في الإقليم والمُقارنة بين التكلفة والعائد على الاستثمار وتقييم جدوى الإنفاق المُستقبلي والديمومة والفاعلية، ومع حساسية الموقف في الوقت الراهن وحالة الهدنة الحذرة الخطرة في فلسطين وتدمير نصف المُكونات الحياتية للقطاع بما في ذلك من مبانٍ سكنية وخدمية وصحية وبنية تحتية من شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والاتصالات، وما تبع ذلك من وضع إنساني استثنائي لم يمر مثله صعوبة في التاريخ المُعاصر، وطبعًا تأتي على رأس قمة الخسائر التكلفة البشرية الاستثنائية والتي تُقارب الخمسين ألف إنسان بين شهيد وجريح ومفقود جلهم من الأطفال والنساء في فترة زمنية قصيرة تصل إلى خمسة وأربعين يومًا مُرشحة للزيادة، تأتي هنا المُقاربة المُباشرة بين قدرة المنظومة الاقتصادية العربية الإسلامية والدولية على استخدام الطرح المالي والاقتصادي العسكري سالف الذكر، سواء من قِبل الدول غير المُنخرطة مُباشرة في الحرب أو الدول المُنخرطة، لوقف الصراع وحل الأسباب الحقيقية التي خلقت هذا الوضع المُتأزم، وتطبيق القانون الدولي والقرارات الدولية ذات العَلاقة، بالمعنى العادل والحقيقي في إطار زمني وقانوني قابل للتنفيذ، قبل أن يتطورَ هذا الصراع ويتحول إلى الإقليمية والإقليمية الدولية وتعم الخَسارة العالم أجمع. إن العالم بمؤسساته الناظمة والحاكمة يواجه تحديًا أخلاقيًا ومسؤولية شاملة لحل هذا النزاع والذي يمثل حقيقة رأس هرم الصراع العالمي بأحد أشكاله الأكثر دموية، وحل هذه القضية يعتبر مطلبًا إنسانيًا سياسيًا اقتصاديًا عالميًا، وعدم العمل على ذلك سيستنزف كل موارد العالم ليس فقط المالية والاقتصادية، بل يستنزف القانون الدولي والمنظومة الأخلاقية ومُستقبل الإنسانية جمعاء.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X