كتاب الراية

رأيت ذات فيلم.. The Teachers’ Lounge

حين تقومُ بفعل شيء خطأ، من الطبيعي أن تحدُثَ عواقبُ وخيمة، ولكن ماذا لو قمت بفعل الشيء الصَّواب؟ المنطق يقول إن فعل الشيء الصواب سيُصلح المُجتمع، ولكن هل يُمكن قياس ذلك على الواقع بشكل حاسم؟
كلّا أبدًا. أحيانًا فعل الشيء الصواب ليس الخِيار الصواب! هل يعني ذلك أنّ الإنسانَ مُطالب بأن يكون سلبيًّا أو مُستمرًّا بفعل الشيء الخطأ ويتجنّب فعل الشيء الصواب؟ بالطبع لا. فلماذا إذَنْ؟
حياتنا في الواقع ليست مثالية، ولو كان الأمرُ بيد الإنسان السوِيّ لأراد أن يعُمَّ الخير والسلام والإصلاح على الجميع ويختفي الشر والفساد والظلم، ولكن حياتنا مرهونة بمُجتمعات بمُختلف الأديان والأعراق والثقافات والطبقات، والجميع يرى الشيء الصواب والشيء الخطأ من منظوره الخاص، ولذلك العالم اليوم في فوضى أخلاقية وسياسية.
لقد اختلطت الأمور وانقلبت الموازين وازدوجت المعايير، فلذلك حين أقول: «أحيانًا فعل الشيء الصواب ليس الخِيار الصواب»، أنا لا أنحرف عن بوصلة الحق وأميل إلى الباطل، بل الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك. الفيلم الألماني الرائع «ردهة المُدرّسين» هو تفسير واقعي ودقيق لذلك التساؤل الذي طرحته. إنه من إخراج «إلكير تشاتاك»، وقام بكتابة النص السينمائي مع زميله «يوهانس دونكر»، وتدور أحداثه بالكامل في مدرسة في ألمانيا، مع مُعلّمة الرياضيات الآنسة «كارلا نوفاك»، ويتم الاشتباه في أحد طلّابها في الفصل بالسرقة، فتقرر المُعلّمة التقصّي والوصول إلى لُبّ الموضوع.
تقوم المُعلّمة «كارلا نوفاك» باستخدام كاميرا حاسوبها المحمول في ردهة المُدرّسين، ومن هنا تتفاقم الأمور، ويحدث ما لم يكن في الحسبان من عواقب ما فعلته حتى تصبح على حافة الانهيار.
الفنانة «ليوني بينيش» هي سر قوة الفيلم بأدائها الرائع لشخصية المُعلّمة «كارلا نوفاك»، وبقية المُمثلين – صغارًا وكبارًا – قدّموا أداءً جميلًا. الجو العام للفيلم مُتوتر جدًّا ومُثير للأعصاب بشكل يفوق الحد، والموسيقى التصويرية تُعزّز هذا الجو، وكأننا أمام قاتلة تخشى أن تُكتشَف جريمتها. البطلة في حالة من الخوف والهلع والعزلة والكبْت. إننا لا نعرف عن حياتها الشخصية سوى أنها تنتمي لأسرة مُهاجرة. الفيلم لا يُزوّدنا بما نريده من معلومات كي لا يُشتّتنا عن موضوعه الأساسي. إنه فيلم عميق بنص سينمائي مُحكَم جدًّا، حول آثار حدث صغير على منظومة تعليمية بأكملها، من إدارة المدرسة وموظّفين ومُعلّمين وطلّاب صغار وأولياء أمور.
تمَّ اختيار الفيلم لتمثيل ألمانيا في جوائز الأوسكار القادمة عن فئة أفضل فيلم عالمي، وهو يستحق الترشيح والفوز بكل تأكيد.

 

 

[email protected]
Twitter: @alqassimi88

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X