كتاب الراية

همسة ود.. الخياط والجزار

عاش خياطٌ عجوز في قرية صغيرة وكان يخيطُ ملابس أهل القرية، ويبيعها لهم بسعر بسيط، وفي يوم من الأيام أتاه رجل فقير من أهل القرية فقال له: أنت تكسب مالًا كثيرًا من أعمالك، لماذا لا تساعد الفقراء في القرية؟ اُنظر لجزار القرية الذي لا يملك مالًا كثيرًا، ومع ذلك يوزع كل يوم قطعًا من اللحم المجانية على الفقراء.. لم يرد عليه الخياط وابتسم له بهدوء. خرج الرجل مُنزعجًا من عند الخياط وأشاع في القرية بأن الخياط ثري ولكنه بخيل، فنقم عليه أهل القرية.. بعد مدة مرض الخياط العجوز ولم يعره أحد من أهل القرية اهتمامًا فمات وحيدًا. مرت الأيام فلاحظ أهل القرية بأن الجزار لم يعُد يرسل للفقراء لحمًا مجانيًا.. وعندما سألوه عن السبب، قال: بأن الخياط العجوز الذي كان يعطيني كل شهر مبلغًا من المال كي أرسل لحمًا للفقراء، قد مات فتوقف ذلك بموته.

قد يسيء البعض بك الظن، وقد يظنك آخرون من أطهر الناس، اعلم بأنه لن ينفعك هؤلاء ولن يضُرك أولئك، المهم حقيقتك وما يعلمه الله عنك. فلا تحكم على أحد من الظاهر، فما تراه قد لا يكون كما تتصور، لأنهم لا يحبون الدعاية لأنفسهم وفي حياتهم أمور أخرى لو علمتها لتغير حكمك، وترى بعض الناس يقفزون إلى النتائج، دون أن يعلموا النوايا، فيتهمون الآخرين الذين يمارسون عملًا من الأعمال، عامًّا كان أم خاصًّا، وينطلقون في حكمهم عليه من سوء الظن، قبل أن يحسنوا الظن بالإنسان وبأفعاله، وما يكاد يظهر خبر إلا ويبحثون من ورائه عن دوافعه المبنية – عندهم – على سوء الظن،  فعند صدور قول أو فعل يسبب لك ضيقًا أو حزنًا حاول التماس الأعذار، واستحضر حال الصالحين الذين كانوا يحسنون الظن ويلتمسون الأعذار حتى قالوا: التمس لأخيك سبعين عذرًا.

قال ابن سيرين رحمه الله: «إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرًا، فإن لم تجد فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه»، لهذا لا يجب الحكم على النوايا حيث إن النوايا لا يعلم حقيقتها إلا الله.

قد ينتج سوء الظن أحيانًا من كوننا نتوقع ممن نحب أمورًا ربما كانت فوق طاقتهم فما إن يخذلونا في تلك التوقعات حتى تبدأ شكوكنا حول الأسباب التي جعلتهم يخذلوننا، وقد قال العقاد: «أحسن الظن بالناس كأنهم كلهم خير، واعتمد على نفسك كأنه لا خير في الناس» حتى تتجنب ذلك الانكسار ولا تحمل في قلبك شيئًا على أحد، فسوء الظن ككومة القش ما إن تقم فيها نار حتى تأكلها قشةً قشة.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X