كتاب الراية

الباب المفتوح …. عولمة الحروب ونطاق التأثير

العولمة هي مفهوم تكاملي شمولي ذو بُعد جغرافي ثقافي اقتصادي سياسي تكاملي، وبالتالي إن تفعيل مفهوم العولمة بشكلها الشمولي خلال العقود الماضية قد حقق نجاحًا كبيرًا في صناعة الأفكار المُشتركة والذوق العام المُشترك والأنماط الاستهلاكية المُشتركة حول العالم، وهذا هو الهدف الأساسي من فكرة العولمة، ولكن وفي نفس السياق ترافق ذلك مع تحرر القطاع الإعلامي جزئيًا من هيمنة الإعلام الرسمي الموجّه، كنتيجة جانبية لانتشار الإعلام الموازي المُرتبط بشبكة الإنترنت، حتى وإن مارس أصحاب هذه المواقع سلوكيات السيطرة والإقصاء للمُحتوى غير المُناسب لسياساتهم وتوجهاتهم، إلا أن طبيعة هذه المواقع وطريقة تصميمها وآلية عملها تعتمد على المُحتوى الذي يتبناه الجمهور وليس الرقيب أو صاحب المنصة، وبالتالي لا يمكن إقصاء آراء الجمهور، وكلمة الجمهور هنا نعني بها عموم المُستخدمين حول العالم، وهذا هو سبب طرح فكرة العولمة والحروب في هذا المبحث، ففي الوقت الذي تدور فيه حرب طاحنة غير مُتكافئة في فلسطين، يظهر فيها مدى الانفصال العالمي بين الحكومات والشعوب، وبين قيادات المؤسسات الإعلامية الرسمية التي اعتادت أن تصنعَ الروايات بالطريقة التي تخدم مصالحها وبين الإعلام الموازي الذي يُمثل فكرة عولمة الأخبار والأفكار المبنية على المُحتوى الأكثر إقناعًا وانتشارًا، نجد أن هذه الحرب القائمة الآن قد أصبحت حدثًا عالميًا، وكما صنعت العولمة فيما مضى الذوق العام العالمي والسلوك الاستهلاكي العالمي، فإنها تصنع الآن الرأي العام العالمي تجاه هذه الحرب، حيث يُشير بمُنتهى الصراحة لدعم حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، ويُشير بصراحة إلى خرق كل القوانين الدولية ذات العَلاقة في مجلس الأمن واتفاقيات جنيف واتفاقيات حقوق الإنسان، الأمر الذي يظهر ضعف المنظومة الدولية وعدم قدرتها على تسيير شؤون العالم، وسيطرة مجموعة من الأفراد على إدارة هذه المؤسسات بما لا يخدم الأمن والسلم والصالح العام العالمي، وإنما فقط يخدم مصالح فئة مُحددة، بما يُنذر صراحة بانهيار مصداقية باقي مُكوّنات النظام العالمي من مؤسسات مالية وبنكية وقانونية وأمنية وهيئات دولية تابعة لها.

إن فكرة عولمة المعلومات التي يبنى عليها عولمة صناعة الرأي العام العالمي وصلت مُباشرة إلى تكوين الرأي الشعبي العالمي والذي ظهر أنه مُنفصل عن الرأي الحكومي في مُعظم دول العالم، ولما كانت مُعظم دول أوروبا ديمقراطيةً إلى حد ما، وإن القيادات يتم انتخابها من قِبل الشعوب، فإن النتائج المُتوقعة هي تغيير مُتوازن للوصول إلى مِنطقة وسط بين الرأي الشعبي العالمي وبين التوجهات الحكومية، لحل الأزمة الأخلاقية في المقام الأول والازدواجية غير المُبرّرة في الصراع القائم، يأتي هذا كله في سياق أزمة اقتصادية عالمية كانت وما زالت تعيشها شعوب وحكومات العالم، وكانت من أهم الأطروحات التي بحثنا ونشرنا فيها مرارًا على مدار العامين السابقين، هي فكرة الهروب إلى الأمام من خلال الحروب والنزاعات المُسلحة ورفع حالة الاحتقان الدولي في عدة مناطق من العالم لما في ذلك من عمليات مالية واقتصادية وتِجارية تعمل على تخدير وتسكين وتأجيل الأزمات الاقتصادية، وإيجاد حلول بديلة عن مواجهة التحديات الاقتصادية الحقيقية والتي قد تصل إلى انهيار النظام المالي العالمي، بكل الأحوال إن التعقيدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية القائمة حاليًا وبهذا المُستوى المُتطرّف، هي ليست جزءًا طبيعيًا من المُكوّن التفاعلي العالمي، لذلك نحن نؤمن بتغيير جذري مُتعدّد المُستويات والتوقيتات يحدث الآن وستظهر نتائجه العالمية تباعًا.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X