كتاب الراية

قضايا وأحداث …. غزة والعالم اليوم بين وقاحة الاحتلال واضطرابات الفلسفة

لا يزال طوفان الأقصى الذي انطلق من غزة مُستمرًا في رفع كل الحُجُب التي تطمس ضمائر الإنسانية ووعيها. فما شهدناه منذ 7 أكتوبر وتوابعه قد نجح إلى درجة كبيرة في تحطيم وهدم كل تلك المفاهيم والحقائق المُتداوَلَة في العصر الحديث، وكذلك التصوُّرات الفلسفية وحتى الكثير من الأفكار الدينية.

فها هي المفاهيم والنظريات التي يتم تداولها عبر وسائل الإعلام بدأت تتراجع دلالاتها وتطبيقاتها بعد 7 أكتوبر. وصار من الواضح الآن أن إسرائيل ليس لها الحق في وصف أي شخص بأنه «إرهابي». لأن العالم كله رأى مقدار الإرهاب الذي تُمارسه إسرائيل نفسها. وكيف أنها ليست دولة، وأنها مجرد كيان إرهابي مُغتَصِب، فهي لا تستند فيما تفعل على كونها دولة أو على دعم شعبها، بل على العكس من ذلك، تستمد قوتها وجرأتها من الدعم غير المحدود من أمريكا وأوروبا واللامبالاة التامة من الدول العربية.

كما أن التشبُّث بعبارة «حق إسرائيل في الدفاع عن النفس» الذي تُحاول إسرائيل إقناع الجميع به صار مجرد وقاحة مصداقية لها؛ فالحقيقة أن الأشخاص الذين هم أكثر أحقِّيَّةً للاستفادة من حق الدفاع عن النفس هم الذين يتعرضون لإرهاب إسرائيل الحقيقي. كما أنَّ حق الدفاع عن النفس لا يمنح أي دولة أو أي قوة الحقَّ في تنفيذ مذابح ضد أشخاص أضعف منهم بكثير. فهذا منهج يتعارض مع العقل والمنطق والضمير والحكمة، ولذلك لا يمكن السماح لأي شخص بتقديم مثل هذه الحُجة. ومن الطبيعي في حالة مثل هذه أن تتحرك الإنسانية كلها بعقل وضمير واحد لرفض هذا الأمر بشدة. ومن المؤسف أن تتجرأ إسرائيل وتُنادي بهذا الحق السخيف مُعتمدة على ما لديها من جيش عالمي يدعمها فيما تفعل.

والحقيقة أن المُضي خلف فكرة أن من لديه القدرة على التدمير يحق له فعل كل ما يريد، أمرٌ لا يُعطي لأي شخص الحق في فعل ذلك أو القوة الحقيقية؛ فالقوة الحقيقية قسيمة العدالة لا تنفصل عنها، ولهذا فإن الإنسان لا يشعر بالذل أو الإهانة عندما يرضخ للعدالة. وفي الواقع، لا جدوى من الحديث مع إسرائيل بهذا المنطق؛ لأن إسرائيل قوة مغرورة هائجة سلوكها عدواني وتقوم بانتهاكاتها لا مجال لتفسيرها حتى مع فلسفتها الدينية.

ولهذا فإن إسرائيل بمنطقها الفاسد التي تعتمد عليه في اغتصاب الأرض وقتل أصحابها بشكل مُستمر، لا تعتبر هؤلاء بشرًا لهم حتى الحق في الحياة الطبيعية. وهذا يوضح أنها لا تقوم باعتداءاتها لمُجرد رد فعل على ما تقوم به المُقاومة في فلسطين. فإنهم حتى خلال الحرب العالمية الثانية، عندما تعرض اليهود للمحرقة في أوروبا، استمرت أنشطتهم الاستيطانية في فلسطين، أي خلال الأيام التي كان هتلر يُحاول فيها تحقيق بَرنامجه ل «ألمانيا خالية من اليهود» في ذلك الوقت العصيب عليهم كان الإرهابيون الصهاينة في فلسطين يسعون إلى تحقيق أهدافهم. لإنشاء «وطن إسرائيلي بدون فلسطين». وبعبارة أخرى، في الأيام التي تعرَّض فيها اليهود للإبادة الجماعية، كانت صهيونيتهم تُخطط لارتكاب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين.

لقَد أسمَعتَ لَو نادَيتَ حَيًّا … ولكن لا حَياةَ لِمَن تُنادي

كيف يمكن تفسير هذه الحالة العجيبة؟! أي علم نفس أو اجتماع أو دين يُمكنه تقديم تفسير لما يعنيه هذا التصرف غير المنطقي؟! ولماذا لم يشعر الصهاينة بهذا القدر من الكراهية تجاه الجناة الحقيقيين للقمع أو المذابح أو الإبادة الجماعية التي تعرضوا لها في أوروبا؟! هل لأنهم تمكنوا من السيطرة على هؤلاء الجناة الحقيقيين نتيجة ما ارتكبوه ضدهم؟!

يبدو أننا عندما قلنا إن «طوفان الأقصى» الذي انطلق من غزة يمسح كل الحجب التي تقمع ضمائر الإنسانية والوعي، فإننا قد نكون قد تسرَّعنا قليلًا في الاعتقاد بأن العالم بأسره قد اكتسب وعيًا مُشتركًا جرَّاء ما شهده الجميع في نفس الوقت. صحيح أن كل الحيل والمُغالطات التي تمسكت بها إسرائيل لتشويه الحقيقة وخداع العالم كله قد تم كشفها في كل مكان. ولكن من يرى هذا؟

الواقع أنه حتى مع أكثر آيات الله وضوحًا لا يمكن توقع أن تتفتح أعين الناس مباشرة من تلقاء نفسها؛ فهذا مُخالف لطبيعة الآيات والإنسان ذاته. فهناك طائفة قلوبها عليها غشاوة فلا ترى آيات الله ولا تقبلها تلقائيًّا. وبمعنى آخر يحتاج الناس إلى ضمير حي وقلب سليم وعيون وآذان منفتحة على تلك الآيات التي تأتيهم اختبارًا لمدى سلامة طبيعتهم ومعاييرهم البشرية.

وَقُلْ لِمَن يَدَّعِي في العِلمِ فَلسَفَةً … حَفِظتَ شَيئًا وَغابَت عَنكَ أَشياءُ

انظر إلى هابرماس، فيلسوف التواصل المثالي، الذي يبحث عن الحقيقة غير المُحرفة في الخطاب الإنساني، لا يمكنه سوى رؤية العدوان الإرهابي لحماس وحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها بوحشية وترويع الإنسانية وإبادة السكان الأصليين وقتل الأطفال في مجزرة ما بعد 7 أكتوبر. يبدو أن الاهتمام الأكبر لهابرماس يدور حول ما يمكن أن يفتحه الحديث عن الإبادة الجماعية التي تقوم بها إسرائيل، من فكرة العنصرية ومُعاداة السامية.

ومن ناحية أخرى، فإن غزة رغم ما أحدثته من تصحيحٍ فريدٍ من نوعه وإعادة ضبط وجهات النظر في جميع أنحاء العالم اليوم، قد تظل قضية غير ذات صلة وغير ذات أهمية بالنسبة للبعض في تركيا. فهذه القضية القادرة على فتح عقول كل من لديهم ضمير ووعي في جميع أنحاء العالم، يمكن في الوقت نفسه أن تزيد من تبلُّد بعض الناس في تركيا. وبالتالي من الممكن أن تُصبح هذه القضية سببًا لانقسام سياسي حاد في المُجتمع التركي، كما هو الحال في كثير من المجالات الأخرى. والسبب في ذلك أن هناك ضمائر تعيش بيننا ما زالت تغط في سُباتها ولم تستيقظ حتى مع مشاهد الأطفال الذين تم قتلهم وتم تمزيقهم في مهودهم وفي غرف المُستشفيات.

والحقيقة أن المجازر التي تعيشها غزة اليوم لا بد أن تأتي على رأس أولويات عالمنا المُعاصر، فالوحشية في قتل الأطفال هي أخطر تهديد للعالم كله؛ فهذه الوحشية لا تستهدف غزة فقط، بل تُشكّل تهديدًا للبشرية جمعاء. والذين يتجاهلون هذا التهديد بحجة أنه لن يصل إليهم، هم بالفعل جزء من هذا التهديد؛ لأنهم سيكونون مُستعدين في أي لحظة للتعاون مع هذا التهديد لو لزم الأمر.

أكاديمي وسياسي وكاتب تركي

@yaktay

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X