كتاب الراية

تجربة حياة.. تقدير الذات بميزان إعجاب الآخر

«دَواؤُكَ فيكَ وَما تُبصِر

وَدَاؤُكَ مِنكَ وَما تَشعُرُ

وَتَحْسَبُ أَنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ وَفيكَ اِنطَوى العالَمُ الأَكبَرُ»

الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه).

هل تعلم من أنت؟ هل تدرك حقًا ما حباك به اللهُ سبحانهُ وتعالى؟ هل تقدّر بذاتك حقيقة وقيمة ما تملكه؟ والآخر، ما هو دوره في قيمتك الجوهرية؟ من أنت؟ سؤال باتت إجابته في عصرنا الحاضر مُرتبطة بشكل بَدَهِيٍّ بحجم الإنجازات التي تحققها كشرط أساسي، وتكون مُفصَلة على مقاسات القبول والإعجاب وسعة الانتشار في منصات التواصل الاجتماعي كشرط أساسي لا بد منه. حقيقةٌ إذا أمْعَنا النظر فيها لأدركنا حجم صحتها، خاصة إذا ما تطرقنا في سياقها عمليًا إلى الثقة التي نشعربها لنختار في أغلب الأحيان خدمات أصحاب الحسابات (على منصات التواصل الاجتماعي) ذات العدد الأكبر من المُتابعين لأنه مؤشر بَدَهِيٍّ على نجاح أصحابها «بالمفهوم الكَمِّي وليس بالضرورة النوعي الصحيح» . ولكن هل من العدالة للذات، أن تُقدر قيمتك الإنسانية والخواص التأثيرية لما أنت قادر على القيام به بميزان إعجاب الآخرين واستحسانهم فقط؟ هل يصح أن نتجاهل ما نراه نحن عن أنفسنا لأن ما يهم هو ما يراه الآخرون؟ ولنفترض أن رأيَ الآخر وإعجابه قد عزز الثقة (Confidence) في الصورة التي نريد أن نظهر بها أمام هذا الآخر، ماذا عن أساس تلك الصورة أي التقدير الذاتي (Self-esteem) ومدى ثباته في مقابل تنوع رأي الآخرين؟

لماذا نتطلع إلى رأي الآخرين وإعجابهم؟

لأننا نرغبُ بأن نبقى على نهج مُتَّسق مع فكر المجموعة، وميولها واهتماماتها حتى نبقى في دائرة الانتماء ولا نخرج منها، لنضيع في فلك الغُربة النفسية وتأثيراتها السلبية من الانعزال والاغتراب الاجتماعي.

أما ما تجاوز ذلك للحصول من الآخر على الاعتراف والتقدير، كي يكون بالإمكان تقدير الكيان سواء بالوجود أو بالأثر، فإنه أمر ليس بالصحي وقد يدفع بصاحبه إلى التنازل عن أولوياته وقيمه ومبادئه فقط لأجل أن يستحوذ على إعجاب الآخر مهما كان الثمن الذي يدفعه مع ذاته متعارضًا ومؤلمًا.

إن السبب الأساس الذي يدفعُ إلى التخلي عن الاكتفاء بالقبول من الذات، وإلى المُبالغة في العمل على القبول من الآخرين هو الإحساس بالانتقاص الذاتي، أي بأننا لسنا بالقدر الكافي كما نحنُ، وأن الأساس -الذي يربط بين قيمتنا الذاتية وبين رؤيتنا لها- ليس قويًا بما يكفي كي نتعلق به لنثق بقوتنا ولنتعرف ونتصالح مع نقاط ضعفنا دون الحاجة إلى أي تدعيم خارجي قد يُرقّع شق النقص أو الانتقاص، ولكنه لن يكمله على نسجه التام على الإطلاق.

أين يجب أن أبصر وكيف عليَّ أن أشعر وماذا أحتسب؟

استدلالًا بما قاله الإمام علي (رضي الله عنه)، وذكرته في بداية المقال، فإن داءَ الشعور بالانتقاص يبدأ منك ومن نظرتك الشخصية لذاتك ومواهبك وكفاءتك. هذا الداء دواؤه، أن تبصر ما حباك به الله سبحانه وتعالى من نِعم وتُدرك أهمية ما لديك من مُقدرات، لا أن تتعلق بالكيفية التي يراها بك الآخرون، فأنت بذاتك لك أن تشعر بكل ثقة بأنك لست قليل الشأن أبدًا، وأن تحتسب بأنك لست مجرد جسم صغير يتحرك بظاهره في هذا الكون الواسع، بل أنت إنسان تجلّت في خَلقِك عظمة الخالق، وفي قدراتك كرمُ الله وإبداعُه سبحانه وتعالى، ويكفيك ذلك اعترافًا وإعجابًا بكل حمد وشكر.

 

مدربة حياة – Life Coach

[email protected]

@ranasibai14

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X