كتاب الراية

بيني وبينك.. أمَا شَبِعْنا من الدّم؟!

دمٌ في كلّ مكان. صراخٌ في كلّ ناحية. دُورٌ مُهدَّمة. أشلاء مُبعثرة. شوارع مُدمّرة. أحياءٌ سكنيّة يركبُ بعضُها ظَهرَ بعضٍ. بومٌ ينعق. غرابُ ينعب. رائحةُ موتٍ لا يُخطِئها الأنف، ولا تتجاوزها العين. شَهَقاتٌ مَخنوقة، استغاثاتٌ تذهبُ أدراجَ الرّياح. دموع تتقاطر نزيفًا. جوعٌ قاتل. بردٌ قارس. حِصارٌ من كلّ جهة. جثثٌ تتناثر… هذا ليسَ مشهدًا سينمائيًّا أنتجتْه آلةٌ هوليوديّة، وليسَ مقطعًا من فيلمٍ يُعرَض على شاشةٍ زرقاء؛ إنّه باختصار واقعٌ حقيقيّ تعيشهُ بلادُنا المنكوبة والمذبوحة من الوريد إلى الوريد!!
قبلَ أنْ نسأل: ماذا يريدُ المحتلُّ مِنّا، علينا أنْ نسأل: ماذا نريدُ نحنُ من أنفُسِنا؟! إنّ طعنةً تأتيكَ من الغرب تتبعُها ألفُ طعنةٍ تأتيكَ من الشّرق. وإنّ حِصارًا تفرضه عليك دُولُ الاستِعمار تفرضه عليكَ في المقابل دُوَلُ الجِوار… فماذا بعدَ كلّ هذا، ماذا بعدَ الموت من موت؟!
أكان على نهر الدم أن يظل جاريًا؟! أكان على الإخوة الّذين يعيشون دينًا واحِدًا ولغةً واحدة أنْ يتلذّذوا بدماءٍ أخٍ لهم آخَر يُقتَلُ أمام أعينهم دون أنْ يُحرّكوا ساكِنًا؟! ألهذا الحَدِّ هُنَّا على أنفسِنا؟! ألهذا الحدّ صارتْ أرواحُنا رخيصةً ودماؤنا ماءً؟! أكُنَّا منذورين للذّبح بأيدينا؟! أكان علينا أنْ نرى المأساة تتجدّد في كلّ قُطْرٍ عربيّ كأنّ دمًا واحِدًا لا يكفي، وموتًا واحِدًا لا يُشبِع:
في كل قُطر لنا مأساة أندلسٍ
كأنّنا قد أَلِفْنا البُؤسَ من أمَدِ
ها نحنُ نقتلُ أنفسَنا بأيدينا قبل أنْ تكون أيدي سِوانا، ها هي آلة الدّمار نُعمِلها في أجسادنا قبل أنْ يُعملها الآخرون فينا، ها نحنُ مذبوحون في سوريّة، منكوبون في العراق، مُغتَصَبون في السّودان… ثُمّ ها نحنُ نعيشُ فَناءً لا أفقَ لنهايته في غزّة الدّامية. أمَا شبعنا من الخلافات؟! لقد صارَ حُلُمًا بعيدًا أنْ نُغمِدَ السّيف ولو يومًا دون أنْ نُسلّطه على رِقابنا، وصارَ حُلُمًا أبعدَ منه أنْ نعيشَ بسلام، وأبعدَ أكثر أنْ نتّفق، أنْ نتوحّد، أنْ تكون لنا كلمةٌ في هذا العالَم المجنون:
إذا اتّفقْنـــا على حـــــبلٍ لِيَجمــــعَنا
حَبْلٍ من البُغْضِ والأهواءِ والمَسَدِ
متى نرى في بلاد العرب خافقة
بوحدةٍ تحتَ ظلِّ الواحِدِ الأحدِ؟!
أمّا أعداؤنا فلن يشبعوا من نهش لحومنا، ولن يتوقّفوا عن سَكْبِ دمائنا في كؤوسهم ليسكَروا. ولو كانتْ يدُ أخي إلى يدي لكانتْ هناك فُسحةٌ للأمل، ولو كان خنجره لا ينشبُ في ظهري لكانتْ هناك فُسحةٌ للحياة، ولكنّ قدرَ أوطاننا -على ما يبدو- أنْ تُذبَحَ بأيدي أهلها قبل أنْ تُذبَح بأيدي أعدائِها.
إنّني أعلمُ أنّ سؤالًا مثل هذا لن تكون له إجابةٌ اليومَ ولا غدًا، وقد يكونُ سؤالًا هاذِيًا. ولكنْ ماذا يفعل المرء في مُحيطات الأسى واليأس غير أنْ يتعلّق بقَشَّة؟!

AymanOtoom@

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X