المنتدى

العالم يبحث عن عقلاء

بقلم/ بابكر عيسى أحمد:

 ما يهمُّنا هذه الأيامَ وفي هذا الزمن المتسارع نحو الهاوية والمندفع تجاه الكارثة، البحثُ عن عقلاء ينتشلون هذا العالم من مخاطر السقوط في إطار اللا معقول واللا منطقي في ظلِّ تحديات متصاعدة تهدِّد كل شيء من الأمن إلى الاستقرار وإلى الوجود ‏في حدِّ ذاته.

أين يمكنُ أن نعثر على هؤلاء العقلاء؟ وهل مازال بعضُهم يعيشون بيننا؟ يعانون ما نعانيه ويتقاسمون معنا خبز الألم ومرارة الدموع، ومخاطر الخوف المتعاظم في حدقات العيون، وفي الأطراف التي أعياها الترقب؟ ‏في يقيني أن العقلاء كثيرون ولكنهم نادرون ينأون بأنفسهم عن ضجيج الواقع المعاش، إنهم هناك في أكثر من مكان، ولكنهم زاهدون لا يستفيد من حكمتهم أحد ولا يطلب مشورتهم أحد.. وتظل عَجَلة الزمن تتدحرج من أعلى إلى أسفل، ويكبر الخوف والعجز في نفوس الناس – كل الناس – سواء في العالم المضيء أو الزوايا المعتمة في عالم لا يرحم ولا يتبين خطاه في العودة مساءً إلى عُشّه الصغير.

معضلة عزوف العقلاء في عالم أحوج ما يكون إليهم تطرح العديد من الأسئلة المقلقة، فهم الذين يمكن أن يقدموا النصح ويرسموا لنا خريطة طريق تقينا الغرق في هذا العالم المتلاطم الأمواج.

لا أدري – كما لا يدري كثيرون غيري- ما هو المطلوب في هذا الزمان الملتهب والمتقلب والمتسارع الخطى نحو هاوية سحيقة.. فالحروب والكراهية تسيَّدت حياتنا، وأينما نتَّجه نواجه بكارثة محدقة، نبحث عن مخرج منها بلا جدوى، وكأنما كُتب علينا العجزُ وعدم القدرة على الرؤية والتبصر.

البعضُ يشيرُ إلى أنَّ العالم يعيش آخر أيامه، ولا يعلم ذلك إلا الله جلَّت قدرتُه، فلكل أجلٍ كتابٍ وإن جاء ميقات رحيلنا فليس هناك ما يقدم أو يؤخر، ونسأل الله في ضراعة العفو والغفران.

في أوروبا وفي آسيا وفي إفريقيا أراضٍ محروقة وتطلعٌ مريضٌ للتسيُّد والسيطرة والقبض على زمام الأمور.. الشتاء القادم لن يكون مثل أي شتاء، فهو هذا العام يأتي بطعم مختلف، وسيكون للشعوب الكلمة الأولى والأخيرة.

وفي عالمنا العربي نعيش الضياع والتوهان فلا اتفاقَ يتمُّ بين الفرقاء الذين امتلأت بهم الميادينُ والساحات العامة، وما انقطع الهتاف المطالب بالحريَّة والديمقراطيَّة والسلام والعدالة ومحاربة الفساد وإقصاء المُفسدين الذين لوَّثوا السماوات والأرض، ونهبوا الثروات وهربوا بها عبر الحدود، مُتوهمين أنَّ الحال يمكن أن يدوم لهم، وهذا حلم الجائع في قطعة خبز، أو حلم العطشان في جرعة ماء.

البحثُ عن العقلاء في هذا العالم المجنون بات حتميًا، فمن الصعب إن لم يكن من المُستحيل البقاء هناك نرقبُ الآتي دون إرادة فاعلة بوقف كرة الثلج التي تكبر، وهي تتدحرج إلى أسفل بسرعة كبيرة نعجز معها عن منع الانفجار في أكثر من مكانٍ.

هل يمكنُ أن تندلع حرب عالميَّة ثالثة؟ سؤال مقلق لا نجد له إجابة.. والجميع يعلم أنَّ مثل هذه الحروب لن تبقي ولن تذر، وسيتحول العالم إلى كومة كبيرة من الرمادِ.. في تقديري أنَّ الذين يملكون هذه القدرة النووية المدمرة يعلمون علم اليقين مخاطر ذلك عليهم، وعلى غيرهم، وأن التلويح باستخدام هذه الأسلحة التكتيكية أو الاستراتيجية استعراض فقط لقدراتهم الموجودة فعلًا.

في ظلِّ هذه الظروف يبقى بحث العالم عن عقلاء ضرورة حتمية، فلا أحد بمقدوره أن يوقف هذا الجنون الذي يلف العالم إلا بإعمال الحكمة، وتغليب العقل والعودة للرشد الإنساني النبيل الذي يرفض الحربَ ويجنح للسَّلام.

عالمنا الثالث ليس به أهداف استراتيجية يمكن استهدافُها، وبذلك يكون أكثر الأماكن أمانًا، فهو أرض يباب لا يسكنها إلَّا عدد قليل من البشر وبها الكثير مما تختزنه من ثروات في ظاهر الأرض وباطنها، كما أن عليهم الابتعاد عن ملاعب الكبار الذين يملكون الأدوات القاتلة.

هذا العصر الذي نعيشه هو عصر الشعوب التي ستفرضُ إرادتها في نهاية المطاف على الأنظمة التي لا تحترم قناعاتها الشعبية، وتنحاز إلى الإرادة الغالبة والمُتطلعة إلى السلام والتنمية والاستقرار، وما لم تحترم إرادة هذه الشعوب فإن عالمًا جديدًا سيولد ولن يكون فيه غالبًا أولئك القابضون على جمر القضية.

عالمنا في مواجهة تحديات متعاظمة تتمثل في ارتفاع مؤشرات التضخم وانعدام الغذاء وارتفاع الأسعار وندرة السلع وفوضى السلاح ومخاطر الهجرة العشوائيَّة وعدم الاستقرار السياسي في أكثر من بلدٍ.. وجملة هذه التحديات بدورها كفيلة بأن تبدد ما تبقَّى من يقينٍ.

العقلاء مطالبون بأن يهدِّئوا المشاعر المضطربة بعد أن انقسم العالم إلى فسطاطَين، فسطاط مع وآخر ضد، وأي خطأ مهما كان صغيرًا يرتكب كفيل بأن يفجِّر برميل البارود الملتهب.. لا أحد يريد أن يموتَ بلا ثمنٍ ولا أحد يرغب في رؤية أكوام الجثث، وهي مبعثرة بين القارات، وما نريده هو أن نرى السلام يزدهر بين الشعوب، وأن يتوقف وعلى الفور القتلُ العبثي وهو دور العقلاء الذين نبحث عنهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X