كتاب الراية

نافذة على الإبداع …. اكتشاف لوحات لكارل هوبنر بالصدفة!

لم يعدْ هناك شكّ في أنَّ المصادفات هي التي تصنع الأشياءَ الكبيرةَ، فكم من أثرٍ ضخم وهام اكتُشف بالمصادفة، وكم من فنانٍ سقط من ذاكرة التاريخ ثم عاد للأضواء بمحض الصدفة!، وهذا بالتّحديد ما حدثَ مع أحد فناني جيل الأساتذة الألمان في الفن التشكيلي، بحيث كان قد أصبح بالنسبة لجامعي اللوحات وصالات القطع الفنية نسيًا منسيًا، على الرغم من أنّه يصنف كأحد أهم عشرة فنانين تشكيليين في تاريخ ألمانيا قاطبةً، وهو الفنان الكبير ورائد الرومانسيّة المُتأخّرة والواقعية الفنان كارل فيلهلم هوبنر الذي اشتُهر في عصره – أي في بدايات القرن التاسع عشر، وحتى بدايات القرن العشرين – بأنه الفنان الذي فجّر القضايا الاجتماعيّة بلوحاته، وأنه أهمّ أستاذ في مدرسة دوسيلدورف الألمانيّة. وكان هوبنر فنانًا ملءَ الأسماع والأبصار في ألمانيا، وأمريكا، وهولندا، حتى إن هتلر كاد أن يضمّ كل أعماله لمجموعة خاصة به هو شخصيًا، بل وكان يَعتبره فنان الرايخ، الذي عبّر عن الشعب بكل أحاسيسه. وليس من الغريب، أيضًا، أن تعتبره المؤسّسات الفنية والنّقاد في هولندا فنانَ المشهد الاجتماعي، والبعض يجده امتدادًا لأسلوب فيرمير مع بعض الإضافات من الرومانسيّة المتأخّرة والواقعية الأوروبيّة، وهذا ما سوف نوضّحه فيما بعد.

يظلّ كارل هوبنر هذا العلم الخفَّاق في الفن التشكيلي في ذاكرةِ ألمانيا وأوروبا، وأمريكا التي زارها، وأقام فيها عدّة معارض وأنشطة جعلته من أهمّ فناني أوروبا الذين تركوا أثرًا في الفن التشكيلي الأمريكيّ الوليد في القرن التاسع عشر. وتظلّ شهرة هوبنر حتى يتوارى عن المشهد الفني ومحافل العمل الفني التجاري بعد الحرب العالمية الثانية، فيختفي أيّ ذكر له بعد نهاية الحرب مباشرة ويطويه النسيان على الرغم من وجود لوحاته في أكبر متاحف هولندا، وأمريكا، وألمانيا. وظلَّ هوبنر قيمةً منسيةً حتى عامَين فقط، لكن المصادفة – كما قلنا- كفيلةٌ بأن تعيد أيَّ فنان للحياة والجدل الفني والحراك التجاري، وهذه المصادفة جاءت عن طريق خطأ أحد مصنّفي المُقتنيات في إحدى صالات المزادات في سويسرا، حيث خلطَ بين اسم كارل هوبنر فنان ألمانيا الكبير، وكارول هوبينير أحد فناني رومانيا في النصف الأوَّل من القرن العشرين، فصنَّف إحدى لوحات كارل هوبنر على أنها لوحة لكارول، ومن ثم وضعها تحت سعر 17 ألف دولار فقط ..! لكن أحد الخبراء المخضرمين قام بتصحيح الخطأ أثناء المزاد على اللوحة، وعطل بيعها، ليؤكّد أنها للعبقري كارل فيلهلم هوبنر العَلَم الخفّاق في الفن الألماني، ومن ثَم تبدأ الدوائر الفنية في التنقيب والبحث عن تاريخ كارل هوبنر لتعيده للوجود مرّة أخرى ولساحة الجدل في الفن التشكيلي، وفي بحر ثلاثة أسابيع ترتفع هذه اللوحة التي كادت تباع بالخطأ من 17 ألف دولار ل 11 مليونَ دولار، الأمر الذي حرّك مُقتني القطع الفنية وتجار الفن لكي يبدؤوا في رحلة مضنية للبحث عن أعمال أخرى لكارل هوبنر خارج المتاحف وضمن المجموعات الخاصة. وبعد العثور على تسع لوحات له في أمريكا، ارتفعت أسعار لوحاته لمُستوى كبير، حتى إن إحدى هذه اللوحات التسع وصل سعرها ل 47 مليونَ دولار، وكان متحف المتروبوليتان قد تفاوضَ عليها فيما بعدُ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X